في زمن أثقلت فيه الحرب غزة، وخذلت من العالم بأسره، لكن يوجد من جاء ليصرخ بعلو الصوت، نحن لغزة، سنفعل ما يجب لأجلها سنغامر ونترك كل شيء خلف ظهورنا ونأتي لمنتصف الجحيم، في وسط هذا برز اسم الطبيبان الزوجان المغربيان يوسف بو عبد الله وإيمان المخلوفي كحكاية مؤثرة، ولم يكن ارتباطهما بفلسطين موقفًا عابرًا أو تعاطفًا من بعيد، بل عهدًا حمله الزوجان في قلبيهما منذ البداية؛ أن يبقيا إلى جانب غزة ما استطاعوا.
دخل يوسف غزة طبيبًا، لكنه خرج منها وهو يحمل وجعها في روحه، بعدما أمضى أيام الحرب بين غرف العمليات، يداوي الأجساد المنهكة ويقاوم الموت بما يستطيع من علم وإنسانية، قبل أن يُجبر على المغادرة وهو يردد بحسرة: "جسدي هنا لكن روحي هناك".
أما إيمان المخلوفي، فاختارت أن تكمل الطريق نحو القطاع عبر "أسطول الصمود" ضمن مبادرة "أطباء إلى غزة"، متجاوزة خوفها وقلق عائلتها، مؤمنة بأن أطفال غزة يستحقون من العالم أكثر من الصمت، وبين طبيب حمل الجراح على كتفيه، وطبيبة حملت الخوف ومضت، تتجسد قصة زوجين قررا أن يكون الحب فيها فعل نجاة لغزة، لا مجرد شعور.
يوسف بوعبدالله جراحًا في غزة

أصرّ أستاذ ورئيس قسم جراحة الأطفال في مدينة فاس المغربية البروفسور يوسف بو عبد الله، أن يأتي إلى ليقدم شيئًا ولو يسيرًا للأطفال، فكان زيّه الطبي سلاحه الرسمي، ولم تكن زيارته لغزة خلال حرب الإبادة الجماعية المرة الأولى، بل أحب غزة وحمل رسالتها في قلبه، منذ العام 2008 خلال الحرب، وحرب 2012، وحرب 2014، فتعلق قلبه بالبلاد الصغيرة التي تسجر من يدخلها.
دخل غزة مرتين متفرقتين خلال حرب طوفان الأقصى، وعمل في مشفى كمال عدوان ومشفى الإندونيسي شمال قطاع غزة، يقول: "وأنا في غزة شعرت بشعور آخر، كنت وسط أولادي فعلًا، هم فيهم قيمة مضافة، لأنهم خذلوا من العالم كله، فكان واجبي أن أكون حاضرًا، عدا أن أهل غزة لديهم تكوين اجتماعي رائع ترتبط بهم كثيرًا، فيعز عليك المغادرة، وبمجرد الخروج تتمنى لو أن تعود، ترحل جسدًا لكن الروح تبقى هناك".
طبيب الأطفال

كان الطبيب المغربي يشاهد على الشاشات المجازر بحق الأطفال، ويسمع عن الحاجة إلى الأطباء، فقرر الذهاب، ونجح في ذلك مرتين. ويحاول مرات أخرى للحصول على تصريح جديد، لكن الرفض يلاحقه في كل مرة. غادر غزة جسدًا، لكن المشاهد المؤلمة بقيت عالقة في ذاكرته.
ويضيف: "أذكر جيدًا قصف مدرسة التابعين، التي عُرفت لاحقًا بمجزرة الفجر. كان الأطفال حينها يتلون القرآن الكريم قبل أن يُقصفوا. دخلتُ العناية المركزة لأتفقد من يحتاج إلى عملية جراحية، فوجدت طفلًا في التاسعة من عمره يُدعى إلياس، يتلو القرآن بصوتٍ عال. كان يعاني من كسور في أطرافه وحروق في جسده. دخلت عليه وهو يقرأ سورة يوسف، وحين وصل إلى قوله تعالى: "يا يوسف أعرض عن هذا"، لم أتمالك نفسي وبكيت. ومنذ ذلك اليوم صار رفيقي. كان بجانبه طفل آخر يُدعى عمر، أصيب بحروق بالغة جدًا، واستشهد متأثرًا بها".
اقرأ أيضًا: الطبيب الشهيد مروان السلطان: سيرة طبيب قاوم الإبادة
لم تقف ذاكرة جراح الأطفال ورفيقهم الحنون على تلك المشاهد فحسب، لم ينس حين قالت له الطفلة ماريا إن خرجت من مشفي كمال عدوان سيقصفونا، ابق معنا، وكان ذلك، فشعر بالذنب، ولا زالت كلماتها تردد في أذنه.
فقد بو عبدالله رفاق في غزة، منهم الطبيب مروان السلطان، يضيف: "كنت أقابله بشكل يومي، وحينما سمعت بخبر استشهاده مع زوجته وابنته صدمت، وترك ذلك بقلبي جرحًا كبيرًا لأنني عايشته ثم فقدته، أما المعتقل حسام أبو صفية، كان طبيبًا شعرت بصدقه بحمل الرسالة،كان يعلم أن وجوده في المشفى هو ثبات للجميع".
زوجة على ذات الدرب

أما زوجته الطبيبة إيمان المخلوفي فشاركت زوجها حب غزة، شجعته ليقطع الحدود لأجل أطفال غزة، وهو شجعها لأجل أن تكون ضمن أسطول الصمود مع مجموعة "أطباء نحو غزة"، تقول: "اعتذر لعائلتي عن الضرر الذي يمكن أن أتسبب له بذهابي هناك، لكن هذا واجبي الإنساني، يقولون عني شجاعة لكني خائفة وأنا ذاهبة لفعل شيء ما إذ لا زال الأطفال يقتلون في غزة، يُقال أن الحرب انتهت لكنها لم تنته".
لا زالت إيمان في سفينة اسطول الصمود تضع روحها على كفها لأجل غزة،بينما زوجها الطبيب الذي أحب غزة في المغرب يساندها وأطفالهما من بعيد ويشجعها نحو فعل الإنسانية.

