كانت تُحضّر الطعام لوالدها، حين انكسر الصمت بانفجارٍ هائل هزّ البناية التي نزحوا إليها بعدما ضاقت بهم الدنيا. امتلأ الهواء برائحة البارود، وكادت أن تفقد وعيها. وضعت يدها على قلبها تحاول أن تطمئنه، لكن الإدراك عاد إليها، وأيقنت أن القصف في الطابق الأعلى، حيث عائلتها: والديها، وشقيقتها، وباقي أفراد الأسرة. اندفعت، وخطواتها تتعثر بثقل الخوف، لتجد والدها يهمس بالشهادة. عندها فقط، تيقّنت أن تلك كانت النظرة الأخيرة لرجل أفنى عمره في مداواة الناس، وزرع الأمل في قلوب مرضاه.
لم يكن والدها الشهيد الوحيد الذي لفظ أنفاسه الأخيرة أمامها. بعينين مذهولتين، أخذت تتنقل بين الوجوه؛ رأت والدتها، وشقيقتها، وعمّتها، ثم وقع بصرها على زوجها، وكان حيًا وقتها. لم تعلم كيف حملتها قدماها إلى المشفى، ولا كيف قطعت تلك المسافة المثقلة بالفقد، حتى وجدت نفسها تقف هناك، على الحد الفاصل بين النجاة والوداع.
هنا نحكي مع لبنى السلطان، ابنة الطبيب الشهيد مروان السلطان، وزوجة الشهيد الصحفي محمد السلطان، وابنة الشهيدة ذكرى، وأخت الشهيدة لميس، والناجية من العائلة برفقة أشقائها الثلاثة. تحكي لنا عن لحظة فقدهم بشكل جماعي، وعن الصدمة الأولى.
فقد الوالدين والشقيقة الوحيدة

في 2 يوليو 2025، استشهد الطبيب مروان السلطان، مدير المستشفى الإندونيسي، واستشاري أمراض الباطنة والقلب، وأستاذ الطب في الجامعة الإسلامية، بعد استهدافه بشكل مباشر في المنزل الذي نزح إليه غرب غزة، عقب أوامر الإخلاء من شمالها.
تقول ابنته لبنى: “كنتُ في الطابق السفلي لحظة الاستهداف، فنجوت جسديًا، لكنني لم أنجُ روحيًا أبدًا. كان الصاروخ موجهًا نحو غرفة والدي، كانوا يعرفون مكانه بدقة. كان برفقة زوجي ووالدتي، رأيت والدي ينطق الشهادة، وزوجي كان لا يزال مصابًا فظننت أنه سينجو، أما أمي وأختي وعمتي فقد ارتقين شهداء”.
اقرأ أيضًا: ذاكرة الشهداء: كلمات تبقى ما بقي الوطن
وقفت لبنى عاجزة أمام أجساد عائلتها، وزوجها الذي استشهد بعد ساعة من إصابته، إذ كانت الإصابة أقوى من قدرته على التحمل. تضيف: “مسح الله على قلبي بسكينة، لكن الفراق صعب وألمه لا يُحتمل. عزّ عليّ أن أودعهم جميعًا في اليوم ذاته، لكن ما يصبرني هو كرامات الشهداء التي حظوا بها”.
كانت عائلة الطبيب مروان كأي عائلة غزية، عاشت تفاصيل الحرب بكل قسوتها؛ نزحت من بيتها، وذاقت مرارة الجوع، وظنت أن النزوح إلى غرب غزة أكثر أمانًا، لكن القصف لحق بها حتى بيت النزوح. رفض الطبيب مغادرة غزة أو التوجه جنوبًا، وبقي على رأس عمله في المستشفى الإندونيسي، رغم الحصار المتكرر الذي فرضته قوات الجيش، رافضًا الإخلاء، ومتمسكًا بواجبه حتى اللحظة الأخيرة.
وحيدة دون العائلة

تقول ابنته: “لم نره طوال الحرب إلا مرات معدودة. حوصر ثلاث مرات في المشفى الإندونيسي، ولم يخرج منها إلا بخروج آخر مريض. في الحصار الأخير، لم يكن موجودًا، لكنه عاد مع أول سيارة إسعاف وصلت للمشفى، ليؤدي واجبه، فحوصِر مع الطاقم الطبي والمرضى، ولم يأبه بحياته، فقد أقسم أن يؤدي رسالته حتى الرمق الأخير”.
كان شعور المسؤولية لدى الطبيب، ابن شمال غزة وجباليا، عاليًا. فبعد إرغامه على مغادرة المشفى، لم يقف مكتوف الأيدي، بل افتتح نقاطًا طبية في المدارس والأماكن التي تشح فيها الخدمات الصحية. وخلال حصار جباليا، اعتُقل مع عدد من الشبان، لكنه أُفرج عنه في اليوم التالي، ولم يتراجع، بل واصل أداء واجبه الإنساني.
اقرأ أيضًا: نور الهدى النبيه: أي ذاكرة أحملها وقد شهدتُ مقتل طفلاي؟
تضيف لبنى بصوت متحشرج: “استشهد والدا أبي، ولم يتمكن من وداعهما لأنه كان محاصرًا آنذاك، لكنه كان راضيًا محتسبًا، يزرع الصبر في نفوس أولاده، ويحدثهم عن أجر الصابرين”.
قبل ساعة من رحيله، جاء إلى ابنته يحمل “ساندويشًا” وكوب شاي، اقترب منها وقال: “حبيبتي يابا، كُلي منيح، وقوّي حالك، وديري بالك على حالك”. كان كلامه بسيطًا، لكنه بدا كوصية أخيرة، كأنه يستشعر أن ما تبقى من العمر أقل مما ينبغي.
ابتسمت لبنى محاولة إخفاء قلقها، وقالت له إنه أغلى ما تملك، وهمست بدعاء صغير: “الله يطول بعمرك يابا، وتشوف أحفاد أحفادك”. مرت اللحظة كأي لحظة عابرة، لكنها كانت تمضي نحو الخلود، وتحولت الأمنية البسيطة إلى ذكرى موجعة، عالقة بين ابتسامته الأخيرة وصدى صوته الذي ما زال يتردد في أذنها.
في سيرة الشهداء

أما والدتها، فكانت تهيئهم لفكرة غياب والدهم، دون أن تصرّح بذلك مباشرة. ولم تتوقع أن يرحلا معًا، كما عاشا على الحلوة والمرة لسنوات. تقول لبنى: “ماما كانت المعين لنا في غياب والدنا، تحملت المسؤولية كاملة، وكانت نعم الأم والصديقة. أما شقيقتي الوحيدة لميس، فكانت تستعد لتقديم امتحانات الثانوية العامة، وأنهت المنهاج بالكامل، لكن الشهادة كانت أقرب إليها”.
كان والدها يطمح أن يراهم جميعًا يحصدون الشهادات العلمية، فقد كان محبًا للعلم والدراسة، وحاصلًا على البورد العربي في أمراض الباطنة والقلب. وقد دعمها خلال غياب زوجها، حين اعتُقل لمدة عام وثلاثة أشهر، ثم أُفرج عنه وعاش معهم أربعة أشهر فقط. وخلال تلك الفترة، كان يقول لها:
“يا لبنى، هذا طريق، والله أعلم ما تكون نهايته، واللهم شهادة في سبيلك”.
اقرأ أيضًا: يتيمة قبل الميلاد: حكاية الوداع الأخير
كان زوج لبنى، محمد السلطان، صحفيًا، أنهى الماجستير، وكان يحلم بدراسة الدكتوراه. وبعد تحرره من السجون، قال لها: “تمنيت الشهادة على أن أُعتقل وأبقى في سجونهم أُعذّب وتُنتهك كرامتي”. تضيف: “كان زوجًا تقيًا، أحبته عائلتي، ولم يُقدّر لنا أن يكون لنا أطفال، لكن ذكراه باقية في قلبي”.
بقيت لبنى مع إخوتها الثلاثة، يتقاسمون وجع الفقد، ويعيشون ثقله يومًا بعد يوم. كان الألم حاضرًا في كل تفصيلة، لكن وجودهم إلى جانب بعضهم خفّف من حدته. وتختم حديثها بما قاله رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الدكتور علي القرة داغي عن والدها: “إلى روحك الطاهرة، يا دكتور مروان السلطان… سلام الله عليك أيها الطبيب الصابر… يا شهيدًا عرفته غزة واستقبلته السماء. كنت رئيسًا للمستشفى الإندونيسي، لكنك كنت أيضًا مديرًا لمعركة الحياة في وجه الموت… ترابط في غرفة الطوارئ كما يُرابط المجاهدون على الثغور”.

