بنفسج

يتيمة قبل الميلاد: حكاية الوداع الأخير

الأربعاء 22 ابريل

أبناء الشهداء في غزة
أبناء الشهداء في غزة

كان يُحدثها دائمًا، بنبرة يختلط فيها اليقين بالحزن، أنه يشعر بقرب الشهادة، ويوصيها بابنته التي ستولد في غيابه حتمًا كما يخبره حدسه، وقبل استشهاده بأسبوع، صار حديثه أثقل، أكثر امتلاء بالوداع، وبجدية أكثر أوصاها طلب منها أن تغسل قميصه كل يوم، كأنها طقس صغير يهيئه للقاء الأخير. قال لها: “حبيبتي ورفيقة دربي، ستصبحين أرملة وأمًا لطفلة، وستنتهي عدتكِ بوضع جنينتك… حافظي عليها، بحبك”.

بكت… بكت كثيرًا، وهي التي لم تعش معه سوى أشهر قليلة، حتى شقتهما الذين كانا يخططان للعيش بها قُصفت قبل زواجهما، لكنها احتسبت ولم تكن تتمنى من الدنيا سوى أمنية واحدة، أن يشهد ميلاد ابنته، أن تقع عيناه عليها، أن يناديها “تالين” ولو لمرة.

هنا تفتح سندس أبو أمونة جرح القلب الذي لم ولن يشفى، لتحكي لنا عن سيرة زوجها الشهيد عبدالله نصار، الذي استشهد بعد ستة أشهر من زواجهما، ولم يشهد ميلاد طفلته التي كان يحلم بلقائها كل ليلة، لكن الشهادة كانت أسرع من لحظة ميلادها، لتحصل تالين على لقب يتيمة قبل الميلاد.

يوم الوداع

IMG-20260420-WA0078.jpg

في سبتمبر 2025، طلب عبد الله نصار من زوجته أن تُعدّ له "المقلوبة"، أحضر لها المكونات بنفسه، ثم خرج ليقف مع ابن عمه على باب المنزل. في الداخل، بدأت تُحضر الطعام، ترتب الأرز والبطاطا، وتُشعل النار على مهل… وفجأة، شق صوت الصاروخ سكون اللحظة.

في تلك الثانية، تجمد كل شيء، لم ترَ الدخان أولًا، بل لمحت وجهه في ذاكرتها، وجهه وهو يُحدثها عن اقتراب الشهادة، عن وصاياه، تمسكت بجنينها وكأنها تحميه من أيام تخلو من والده ثم ركضت لترى ما الذي يجري.


اقرأ أيضًا: خالد أبو عودة: رجل الميدان الذي لقى ربه محاصرًا جائعًا


تقول وهي تمسح دموعها التي عاندتها وانهمرت بغزارة: “وجدته على الأرض غارقًا بالدماء وبجانبه ابن عمه عاهد، لم تحملني قدماي لأن أبقي مكاني، سقطت بجانبه، لكن ما لفت انتباهي وسط انهياري، هو رائحة دمه التي كانت بالمسك، في تلك اللحظة أدركت معنى حسن الخاتمة”.

بعد وداعه، بقيت سندس تحاول أن تستوعب أنها أصبحت وحيدة، أن عليها أن تخوض ما تبقى من الطريق بمفردها، وأن تستعد لاستقبال طفلة لم تر النور بعد، في زمن يشق فيه على المرء أن يبقى صامدًا. مضت أشهر الحمل ثقيلة، تعيش على الذكريات، حتى جاءت تالين، فرحت بعوض الله لكن فرحتها كانت منقوصة، كانت تتمنى لو والدها هنا لهمس في أذنها بـ “الله أكبر”.

مسك الشهيد

IMG-20260420-WA0074.jpg

لطالما أخبرها عبدالله أنه يتوق للشهادة، تبتسم سندس كلما مرت تلك الذكرى أمامها، وتردد: “طلبها ونالها”. رحل عبدالله لكن سيرته الطيبة بقيت إرث له، فقد كان حنونًا على عائلته، ووفيًا للأصدقاء، خدومًا للجميع، دومًا يسألون سندس لماذا تحبينه كل هذا الحب رغم قصر عمر زواجكما؟

تقول: “رأيته لأول مرة خلال عمل صحفي جمعنا عام 2019، وتم عقد قراننا في 2023، وأجلت الحرب زواجنا لعامين، لكني خلال تلك الفترة تعلقت به جدًا، فأجيب سبحانه يقذف الحب في قلوبنا دون سؤال، صعب عليا دموعي وانهياري في كل مرة أسرد تفاصيل ذكرياتنا لأحد، عبدالله كان طمأنينتي وقت الفزع، وحقيقتي عند الوهم، الهين عند الخصام، كيف لا أحب رجل كهذا”.

رحل عبدالله تاركًا سندس وطفلته تالين التي تبلغ من العمر أربعة أشهر، لكن أمها لا تكف عن الحديث لطفلة بعمر الأشهر عن والدها وهي تنظر لصوره، تروي لها المواقف والذكريات، وتقول لو كان هناك متسعًا أكبر لنبني الذكريات أكثر. وتخاف حين تكبر الصغيرة أن تجيبها على سؤال أين بابا، فتقف عاجزة عن الرد وتنتابها نوبة بكاء عارمة كالتي تنتابها فور هبوب رياح الحنين في لياليها.