كم مرة نقبّل أبناءنا في اليوم؟ كم مرة نغمرهم بحضنٍ دافئ؟ كم مرة نُخبرهم بأننا نحبهم؟ نفعل ذلك كثيرًا، حتى اعتدناه، وغفلنا عن عِظَم هذه النِّعم التي نمارسها بالفطرة، لكن هناك أبناء حرمهم الاحتلال الصهيوني من أبسط مظاهر الحنان العائلي، إذ يفتقدون الأم أو الأب، أو كليهما معًا، لأنهم في عداد الشهداء، أو الأسرى، أو المفقودين.
وهنا لا بد علينا أن نمتنّ لعظيم كرم الله علينا بقرب أبنائنا منا؛ نربّت على أكتافهم، نمسح دموعهم، نحتوي خوفهم، ونرفع معنوياتهم، فربما تكون هذه التفاصيل الصغيرة نعمةً يتمناها غيرنا كل يوم. في هذا التقرير، نروي وجع طفلتين أنهكهما الشوق لوالديهما المغيّبين في مقابر الأحياء، وسط ظروفٍ تجرّدت من أبسط معاني الإنسانية: إيلياء مليطات وحور حماد.
غياب قسري

“اسمي إيلياء مليطات، ابنة الأسيرين أسيل ومصعب مليطات”، عندما عرفت عن نفسها صمتُّ قليلاً أمام ثقل كلماتها، واقشعرّ جسمي، وازداد خفقان قلبي، وعاد بي شريط الذكريات لسنوات مضت، حينما كنت أعرّف عن نفسي بذات الكلمات: “أنا ابنة الأسيرين ريم وعدنان حمارشة”. الذي آلمني أنها طفلة، بينما كنت أنا في الجامعة حينها، فأدرك تمامًا حجم الألم والقهر الذي تعيشه طفلة عمرها ثمانية أعوام، يا الله كيف لتلك الطفلة استيعاب ذلك! غياب الأم، الحضن الدافئ، والأب السند والأمان.
إيلياء، الطفلة المدلّلة لوالديها، المحبوبة من الجميع، أحلامها بسيطة؛ فكل ما تتمناه أن تذهب إلى المدرسة، أن ترتدي فستانًا جميلًا، أن تخرج إلى المنتزه، أو تحصل على لعبة. هكذا تكون أحلام الأطفال ببساطتها وبراءتها، لكن في فلسطين تختلف المسميات وتتبدّل الأحلام، فالواقع أكثر تعقيدًا، والحق في العيش بطمأنينة بات مرهونًا بقرارات احتلالية جائرة، تحرم الأطفال حتى من أبسط حقوقهم الإنسانية.
اقرأ أيضًا: ماذا لو عايدنا شهداؤنا الأطفال؟
في منزل عمتها سعاد، في بلدة بيت فوريك شرق نابلس، تعيش إيلياء منذ اعتقال الاحتلال لوالديها. تعلّقت بها كثيرًا، ولم تعد تتقبّل غيرها بسهولة، فهي أول من احتضنها بعد غياب والديها، وهي من تعتني بكل تفاصيل حياتها اليومية، وترافقها في أدقّ لحظاتها، محاولةً أن تسدّ جزءًا من الفراغ الذي تركه غيابهما.
تقول العمة سعاد: “في بداية اعتقال والديها تأثرت إيلياء كثيرًا وأصيبت بوعكات صحية، ولم تستوعب غيابهما بسهولة، في البداية ما كانت تقبل حدا، متعلقة جدًا فيي”. تحاول العمة سعاد توفير احتياجات إيلياء، وتسعى جاهدةً لأن لا تشعر بفراغ غياب والديها، وأن تمنحها ما تستطيع من الحنان والأمان، علّها تعوّض ولو شيئًا يسيرًا من حنان الأم واحتواء الأب. تضيف العمة سعاد: “إيلياء ما بتحب تحكي كثير عن أهلها، وكأنها بتهرب من الأسئلة التي بتعيد إلها وجع الغياب”.
في قلبها فراغ لا يملؤه إلا احتضان والديها، وفي خاطرها قصص كثيرة عن الصديقات والمعلمات والجيران لتحكيها لهما، تنتظرهما بحرقة، وتتشوّق لرؤيتهما لحظة الحرية، راسمةً تفاصيل ذلك اليوم، إذ من المقرر أن تنتهي مدة الاعتقال الإداري لوالدتها نهاية الشهر الجاري. الذي يهدّئ من روعها هو السلامات والقبلات التي تصلها من أمها وأبيها عبر الأسيرات والأسرى المحرّرين، أو من خلال المحامين الذين ترسلهم العائلة للاطمئنان عليهما.
وعبّرت سعاد عن بالغ قلق العائلة على مصير مصعب وزوجته أسيل، بعد ورود معلومات تفيد بأن أسيل تعاني من كسر في قدمها نتيجة سياسات التنكيل التي تعرضت لها، كما فقدت أسيل وزوجها الكثير من أوزانهما، في ظل ما تمارسه إدارة السجون بحق الأسرى من تعذيب وانتهاكات مستمرة، وما يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة على أوضاعهم الصحية والجسدية والنفسية.
إيلياء في رعاية عمتها

الثالث من حزيران 2025، تاريخ موسوم بالقهر والألم بالنسبة لإيلياء، إذ اعتقل الاحتلال والدتها أسيل حماد أثناء عودتها من زيارة عائلية، بعد أن أجبرها الجنود على الترجل من المركبة على حاجز بيت فوريك إلى الشرق من نابلس، واحتجزوها لفترة من الوقت قبل تكبيل يديها واقتيادها للاعتقال. كل ذلك حصل أمام طفلتها إيلياء (7 سنوات)، والتي أجهشت بالبكاء لحظة الاعتقال، لحظة من أقسى ما قد يواجهه الطفل.
وفي زيارة سابقة للمحامي حسن عبادي، كشفت الأسيرة أسيل حماد عن سلسلة من الانتهاكات التي تعرضت لها منذ لحظة اعتقالها، وحتى احتجازها داخل سجن “الدامون”، في ظروف قائمة على العقوبات الجماعية والمزاجية. أصدر الاحتلال بحق أسيل أوامر اعتقال إداري متتالية، حتى قاربت مدة اعتقالها عامًا كاملًا، علمًا بأن التمديد الأخير من المقرر أن ينتهي مع نهاية الشهر الجاري.
اقرأ أيضًا: ما وراء خبر اعتقالي: في البوسطة ثم الدامون
عقب اعتقال أسيل، كان الأب ملاذًا لقرة عينه إيلياء، يخفف عنها ألم غياب أمها، ويحاول أن يعوضها الحنان والحب والعطف الذي افتقدته بغياب والدتها، لكن ذلك لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما أعاد الاحتلال اعتقال مصعب بعد نحو ثلاثة أشهر ونصف على اعتقال الأم، ليكتمل وجع الغياب والحرمان، وتبقى إيلياء وحيدة دون أمٍ وأب، تواجه واقعًا مؤلمًا، واقعًا يفوق قدرة استيعابها.
علمًا بأن مصعب كان قد تنسّم الحرية قبل أربعة أشهر فقط من إعادة اعتقاله الحالية، بعد أن أمضى عامين ونصف في سجون الاحتلال. عيد جديد سيأتي على إيلياء دون والديها، يا لثقل هذه الجملة على طفلة كانت ترى العيد في وجودهما، قربهما، وضحكاتهما. عيد مثقل بالألم والحزن، موحش بغيابهما.
كيف سيبدو صباح العيد عليها؟ وكيف سيمر على أسيل التي تقبع خلف القضبان في ظروف لا تمت إلى الآدمية بصلة؟ كيف سيقضين ذلك اليوم؟ أجزم أنه من أثقل الأيام، ولعل الأمل بالله واليقين بالفرج القريب هو ما يبقي أسيل، على الأقل، ثابتة متمسكة بحبل الصبر.
حور.. “متى بترجع ماما؟”

حكاية إيلياء مشابهة لوجع تعيشه حور، ابنة الأعوام الخمسة، إذ اعتقل الاحتلال والدها أسامة حماد، ابن مخيم قلنديا شمال القدس المحتلة، لتعيش في كنف والدتها، تهتم لأمورها وتلبي احتياجاتها، وتزرع فيها حب والدها، وتروي لها قصة اعتقاله على خلفية حبه للوطن وغيرته على حرائر الأقصى، وتغرس فيها قيمًا تربوية إيمانية، فيما تُعلّق قلبها بالأقصى من خلال القصص.
لعبت إسلام عمارنة دور الأم والأب معًا، وواجهت صعوبات جمّة، لكنها تحدّت الواقع المرير ومضت قدمًا بمعية الله ودعم من حولها من الأهل والأصدقاء، فكانت رغم صغر سنها مثالًا للزوجة الصالحة المخلصة لزوجها، إذ عاهدته على انتظاره رغم سنوات اعتقاله الطويلة التي تنتظره.
اقرأ أيضًا: خلف زنازين الإداري: أبانا الذي يشيخ وحده.. فيصل سباعنة
في ليلة وضحاها انقلبت الأمور وتبدلت الأحوال، فجر الأحد الموافق 3 مايو 2026، اقتحمت قوات الاحتلال منزل عائلة الصحفية إسلام عمارنة في مخيم الدهيشة ببيت لحم بشكل همجي، وقامت بتفتيشه وتخريب محتوياته، وسط ذعر وخوف ابنتها حور، التي استيقظت من نومها على صراخ الجنود على والدتها، لتتفاجأ بالجنود أمامها، فيما منع الجنود إسلام من توديع طفلتها.
ما أصعبه من شعور قد يمر على أم، بحرمانها من احتضان طفلتها، ومغادرة المنزل بعد أن كانت قد قطعت لطفلتها وعودًا بعدم تخليها عنها، وأنها ستكون إلى جانبها طوال الوقت، لكنه الاحتلال، ينغّص علينا الفرح، ويحرمنا من كل شيء يُسعدنا. المفارقة أن اعتقال إسلام جاء بالتزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، في الوقت الذي يُفترض أن يُحتفى فيه بالكلمة الحرة، ليأتي هذا الاعتقال وينسف أكذوبة هذا اليوم بالنسبة للاحتلال، وأن يضرب بعرض الحائط كل المواثيق الدولية التي تضمن حقوق الصحفي.
طفلات ينتظرن العيد

حتى لحظة إعداد هذا التقرير، ما تزال إسلام قيد التحقيق، فيما تتأمل العائلة الإفراج عنها، مطالبةً كل المؤسسات الحقوقية والدولية بالتدخل للإفراج عن ابنتهم وعودتها لطفلتها. حور لم تنفك عن السؤال عن أمها: “متى بترجع ماما؟ شو بدهم يعملوا لماما؟ رح تطول؟ بدي ماما”. تفتقدها في كل تفاصيل يومها، وما إن يحل الظلام حتى تزداد تلك الأسئلة، وتغفو وهي ترددها، وتدعو الله بعودتها سالمة في صباح اليوم التالي.
وبقدر المستطاع، تحاول عائلة الأم والأب تعويض حور غياب والديها، فيغدقون عليها بالحب والحنان، ويسعون لتلبية احتياجاتها المختلفة، رغم إدراكهم بأن لا شيء يعوض عن الوالدين، وخاصة الأم. فيما تحاول العائلة التخفيف عن حور بمواساتها وطمأنتها بأن إسلام ستعود قريبًا بعد أن يسألها الجنود عدة أسئلة، وما إن ينجحوا في إلهائها حتى تعود للسؤال عن والدها: “بابا متى بده يروح؟!”.
ومن سيطفئ لهيب شوق أمهاتهن اللواتي يعانين الأمرّين في سجون الاحتلال، بل في مقابر الأحياء؟ من سيمسح دمعهن؟ في هذا المقام، وجب علينا إعادة النظر في وجوب الدفاع عن ملف الأسيرات، والعمل الجاد على إعلاء صوتهن، والإفراج عنهن، وعودتهن سالمات لأطفالهن وعائلاتهن.
تقول سندس، خالة حور، إنها تأثرت كثيرًا باعتقال والدتها، وخاصة أنها شاهدت عملية الاعتقال وتقييد يدي أمها وهمجية الجنود: “حور بتخاف لما تشوف الجيش، وبتتذكر لما إجوا اعتقلوا أمها، وبتضل بسيرتها، وتشرحلنا كيف قيدوا أمها وصرخوا عليها”. من سيوقظ حور وإيلياء صباح العيد؟ من سيطبع قبلاته الدافئة على جباههن؟ من سيسرح شعورهن؟ من سيعايدهن وقت العيدية؟
ومن سيطفئ لهيب شوق أمهاتهن اللواتي يعانين الأمرّين في سجون الاحتلال، بل في مقابر الأحياء؟ من سيمسح دمعهن؟ في هذا المقام، وجب علينا إعادة النظر في وجوب الدفاع عن ملف الأسيرات، والعمل الجاد على إعلاء صوتهن، والإفراج عنهن، وعودتهن سالمات لأطفالهن وعائلاتهن.

