بنفسج

قبر انفرادي: الاحتلال ينتقم من بطل نفق الحرية مناضل نفعيات

الجمعة 05 يونيو

الأسير مناضل نفعيات
الأسير مناضل نفعيات

بقلق بالغ تتابع عائلة انفيعات من بلدة يعبد جنوب غربي مدينة جنين أية أخبار عن نجلها الأسير مناضل نفيعات، الذي يقبع في العزل الانفرادي منذ عدة سنوات، وسط تدهور خطير في حالته الصحية والجسدية والنفسية.

وتضاعف قلق العائلة عقب زيارة المحامي لمناضل داخل عزله في سجن مجدو بتاريخ الرابع من الشهر الجاري، علمًا بأنها الزيارة الأولى التي تسمح بها قوات الاحتلال منذ حرب الإبادة الجماعية على غزة، ولم تتجاوز مدتها ربع ساعة فقط، بسبب التشديدات الأمنية المفروضة عليه، إذ تصفه سلطات الاحتلال بأنه “خطير أمنيًا”.

مناضل نفيعات: أسير معاقب

IMG-20260605-WA0012.jpg

غير أن ما نقله المحامي للعائلة كان صادمًا ومؤلمًا إلى حد يفوق الوصف. فقد ظهر مناضل بجسد هزيل للغاية، شاحب الوجه، منهك القوى، فيما كانت أنفاسه المرهقة تُسمع بوضوح طوال مدة الزيارة، في مشهد يعكس حجم الإنهاك الذي يعيشه داخل العزل. وكان يحمل بخاخًا طبيًا في يده، اضطر لاستخدامه ثلاث مرات خلال خمس عشرة دقيقة فقط، وهي مدة الزيارة بأكملها.

اشتكى مناضل من آلام حادة في الجزء الأيسر من صدره، إضافة إلى أوجاع شديدة في قدمه، كما أخبر المحامي بصوت بالكاد يُسمع أنه يعاني من مشاكل خطيرة في الجهاز التنفسي وآلام حادة في الأمعاء. وتحدث كذلك عن الرطوبة العالية داخل زنزانة العزل، وعن الضوء الذي يبقى مشتعلًا طوال أربع وعشرين ساعة دون انقطاع، والطعام الشحيح الذي “لا يكفي طفلًا صغيرًا”، إلى جانب انعدام النظافة والرعاية الطبية، وانقطاع المياه أحيانًا داخل الحمام.


اقرأ أيضًا: "ما في سجن إلا زرته": أم الأسيرين شادي وأحمد سوقية


ووصف مناضل وجوده داخل العزل بأنه “قبر”، مؤكدًا أن إيمانه بالله وحده هو ما يمنحه القدرة على الصمود والتماسك حتى الآن. وأفاد المحامي بأن الأسير يعاني من خدران دائم ودوخة مستمرة، وعدم القدرة على الوقوف لأكثر من عشر دقائق متواصلة، الأمر الذي ضاعف مخاوف العائلة من فقدانه، خاصة في ظل غياب الأخبار عنه إلا عبر زيارات المحامي النادرة، والتي تتحكم بها سلطات الاحتلال من حيث السماح ومدتها القصيرة جدًا.

وأكدت العائلة أن مناضل عاش فترة طويلة داخل العزل على الماء والملح فقط لمدة خمسة وأربعين يومًا، نتيجة عدم قدرته على تناول الطعام بسبب وضعه الصحي المتدهور. ولوهلة قد يظن من يسمع تفاصيل هذه المعاناة أن الحديث يدور عن رجل تجاوز الخمسين من عمره، لكن المفاجأة الصادمة أن عمر الأسير مناضل نفيعات لم يتجاوز الثلاثين عامًا، في صورة تختصر ما يفعله العزل الانفرادي بأجساد الأسرى الفلسطينيين وأرواحهم.

ولم يقتصر الأمر على التعذيب الجسدي فقط، بل مارست سلطات الاحتلال تعذيبًا نفسيًا قاسيًا بحق مناضل، عبر إيهامه بإصابته بأمراض خطيرة وبأن مصيره الموت، من خلال تمثيل مشاهد تعذيب لأسير في الغرفة المجاورة، والحديث عن وفاته نتيجة التعذيب، في محاولة لتحطيمه نفسيًا.

شاب يبدو في الستين

IMG-20260605-WA0011.jpg

وتؤكد العائلة أن العزل المفروض على مناضل لا تبدو له نهاية واضحة، إذ تواصل سلطات الاحتلال تمديده بحجة “الخطورة الأمنية”، بينما تتفاقم معاناة العائلة أيضًا بسبب غرامة مالية باهظة تفوق قدرتها، تُقدّر بثمانية عشر ألف شيكل، ما اضطرها إلى طرق أبواب كثيرة لمحاولة جمع المبلغ، أملًا في تخفيف الحكم وتمهيد الطريق للإفراج عنه.

أما السبب الرئيسي لوضعه في العزل، فيعود إلى مشاركته في حفر نفق الحرية داخل سجن جلبوع برفقة خمسة أسرى فلسطينيين. وبعد نجاحهم في الهروب لعدة أيام، أعاد الاحتلال اعتقالهم وزجّ بهم في العزل، بينما نال بقية الأسرى حريتهم لاحقًا ضمن صفقة “طوفان الأقصى” عام 2025، فيما بقي مناضل يواجه مصيره وحيدًا داخل زنزانة ضيقة معتمة.

وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت مناضل نفيعات عام 2019 بعد اقتحام منزل عائلته في بلدة يعبد بطريقة عنيفة وتدمير محتوياته، وحكمت عليه بداية بالسجن الإداري لمدة ثمانية أشهر، قبل تحويل ملفه إلى قضية والحكم عليه بالسجن خمس سنوات ونصف، ثم أضاف الاحتلال خمس سنوات أخرى عقب حادثة الهروب من سجن جلبوع.


اقرأ أيضًا: يتم قسري.. إيلياء وحور وحضن سرقته السجون


وخلال الفترة الأخيرة فقط، فقد مناضل خمسة عشر كيلوغرامًا من وزنه، بعدما كان قد فقد عشرين كيلوغرامًا أخرى خلال عام 2023، ليبلغ مجموع ما خسره من وزنه خلال سنوات عزله الست نحو خمسة وثلاثين كيلوغرامًا، عدا عن المعاناة اللحظية واليومية التي يعيشها داخل زنزانته الانفرادية.

وتعمد الاحتلال التنقل بمناضل بين عدة سجون وعوازل، من بينها عزل سجن إيشل وسجن ريمون، ليستقر به الحال في عزل مجدو، في ظروف تصفها العائلة بأنها “قتل بطيء”. ويُعد العزل الانفرادي من أقسى أنواع العقوبات التي تمارسها سلطات الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين، حيث يُجبر الأسير على البقاء داخل غرفة ضيقة ومعتمة لا تتجاوز مساحتها مترين مربعين، لأشهر أو سنوات، محرومًا من الشمس والهواء والاختلاط بالبشر.

زنزانة كقبر انفرادي

IMG-20260605-WA0009.jpg

وعقب عملية الهروب، اقتحمت قوات الاحتلال منزل العائلة مجددًا ودمرت محتوياته، وأرسلت تهديدات مباشرة للعائلة، محذرة من التواصل مع ابنها أو تقديم أي مساعدة له. ولم تتوقف الاقتحامات منذ ذلك الوقت، خاصة مع اعتقال أشقائه نضال وقيصر وأيوب، إذ كان آخر اقتحام خلال شهر رمضان الماضي، حين فتش الجنود المنزل المكوّن من عدة طوابق وعبثوا بمحتوياته.

وفي الوقت الحالي، يواصل الاحتلال اعتقال مناضل منذ ست سنوات، فيما يقبع شقيقه نضال في الأسر منذ ثلاث سنوات ونصف، ولا يزال بانتظار حكم المحكمة. ومنذ ستة عشر عامًا، تحلم العائلة باجتماع أبنائها حول مائدة واحدة، إلا أن الاحتلال يبدد هذا الحلم باستمرار، فما إن يتحرر أحدهم حتى يُعاد اعتقال الآخر.

وقضى مناضل نصف عمره داخل السجون، إذ بدأت رحلة اعتقالاته منذ كان في الرابعة عشرة من عمره، لتتوالى بعدها سنوات الاعتقال حتى بلغت نحو خمسة عشر عامًا بالمجموع، فما إن يتنفس الحرية لعدة أشهر حتى يعيده الاحتلال إلى السجن من جديد. وتصفه عائلته بالشاب الطيب، المحب للحياة، والقريب من الجميع، والذي كان دائم الحرص على بقاء إخوته يدًا واحدة.

وأمام هذه المعاناة المستمرة، تخشى العائلة فقدانه في أية لحظة، ووجهت مناشدة عاجلة لكل الجهات الحقوقية والإنسانية للعمل على إخراجه من العزل والإفراج عنه قبل فوات الأوان. كما عبّرت العائلة عن صدمتها الشديدة بعد تداول الحديث عن “قانون الإعدام”، متسائلة: “ألا يكفي ما يعيشه الأسرى من تعذيب وتجويع وعزل وانتهاكات وكأنهم داخل قبور؟”.

ولا تتوقف والدة مناضل عن الدعاء له والسؤال عنه لدى كل جهة يمكن أن تنقل لها خبرًا يطمئن قلبها، بينما تخفي العائلة عنها كثيرًا من التفاصيل المتعلقة بوضعه الصحي خشية على صحتها النفسية والجسدية. ولم تقتصر معاناة العائلة على الاعتقالات والاقتحامات المتكررة، بل تفاقمت بعد إقدام السلطة الفلسطينية على قطع راتب الأسير مناضل دون وجه حق، وفق ما تؤكد العائلة، التي طالبت بإعادة صرفه فورًا.


اقرأ أيضًا: "قيد" توراثته العائلة عن صوافطة الأب والنجلين


ويعرف الفلسطينيون مناضل نفيعات باعتباره أحد أسرى “نفق الحرية”، الذين تمكنوا من كسر صورة السجون الإسرائيلية المحصنة عبر حفر نفق داخل سجن جلبوع، الذي تصفه إسرائيل بأنه من أكثر السجون تحصينًا. ففي فجر الاثنين السادس من سبتمبر/أيلول عام 2021، تمكن الأسرى: محمود العارضة، محمد العارضة، يعقوب قادري، أيهم كممجي، مناضل نفيعات، وزكريا الزبيدي من الفرار من سجن جلبوع عبر نفق حفروه خلال عدة أشهر بأدوات بسيطة، وسط إجراءات أمنية مشددة وتفتيشات متواصلة.

ويبقى العزل الانفرادي أحد أكثر السياسات قسوة التي تمارس بحق الأسرى الفلسطينيين، إذ يُحرم الأسير فيه من أبسط حقوقه الإنسانية، ويُترك وحيدًا داخل مساحة ضيقة بلا شمس أو هواء أو تواصل بشري، في محاولة مستمرة لكسر روحه وإرادته.