بنفسج

علا قطشيات: أصغر أسيرة في السجون

الثلاثاء 07 يوليو

أصغر أسيرة في السجون
أصغر أسيرة في السجون

لا يتوقف أثر اعتقال الأطفال الفلسطينيين عند لحظة اقتيادهم من منازلهم، بل يمتد ليطال عائلاتهم وحياتهم الدراسية ومستقبلهم، ويترك فراغًا يصعب ملؤه في بيوتٍ كانت حتى الأمس القريب تضج بالحياة. ففي كل مرة يُعتقل فيها طفل أو طفلة، لا تُنتزع حرية فردٍ فحسب، بل تتوقف مرحلة كاملة من العمر كان يُفترض أن تُستكمل بين مقاعد الدراسة، والأصدقاء، والأحلام المؤجلة.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه قضية اعتقال القاصرين الفلسطينيين حاضرة، تقبع اليوم أربع فتيات قاصرات داخل سجون الاحتلال، من بينهن وأصغرهن علا عبد الناصر طالب قطيشات، ابنة السادسة عشرة من بلدة طمون جنوب محافظة طوباس، التي تحولت في ليلة واحدة من طالبة تستعد لمواصلة تعليمها وتحلم بدراسة الصحافة، إلى أسيرة تنتظر جلسات محاكمتها بعيدًا عن منزلها وأسرتها.

لم تكن علا شخصية معروفة خارج محيطها العائلي، ولم تكن حياتها تختلف عن حياة كثير من الفتيات في عمرها. طالبة في الصف الأول الثانوي التجاري، تقضي أيامها بين المدرسة والمنزل، تساعد والدتها في أعمال البيت، وتساند شقيقها وزوجته، وتحرص على أن تكون حاضرة لكل من يحتاج إليها. بالنسبة لعائلتها، كانت الأصغر سنًا، لكنها كثيرًا ما حملت من المسؤوليات ما يفوق عمرها، حتى غدت جزءًا لا يمكن الاستغناء عنه في تفاصيل الحياة اليومية.

في هذا التقرير وضمن سلسلة توثيق قصص الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال، نوثق قصة علا منذ نشأتها في بلدة طمون، مرورًا بليلة اعتقالها من منزل العائلة، وصولًا إلى أثر غيابها على أسرتها التي لا تزال تنتظر عودتها، مستندين إلى شهادة أهلها الذين يروون تفاصيل حياة فتاة لم تكن ترى مستقبلها إلا في مقاعد الجامعة، قبل أن تتوقف تلك الأحلام خلف أسوار وأسلاك سجن الدامون في حيفا المحتلة.

الابنة التي كبرت قبل أوانها

IMG-20260707-WA0030.jpg

في بلدة طمون جنوب محافظة طوباس، نشأت علا عبد الناصر طالب قطيشات وسط أسرة متوسطة الحال، في بيت يجمع والديها وإحدى شقيقاتها، فيما تعيش شقيقاتها الثلاث المتزوجات وشقيقها المتزوج على مقربة من العائلة. كانت أصغر أفراد الأسرة، إلا أن صغر سنها لم يكن يومًا مرادفًا لقلة المسؤولية، بل على العكس كانت بالنسبة لعائلتها واحدة من أكثر الأشخاص حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية..

علا التي تقطع خطواتها الأولى نحو المرحلة التي طالما انتظرتها. لم تكن قد أنهت الثانوية بعد، لكنها رسمت لنفسها طريقًا واضحًا بأن تنجح في امتحان الثانوية العامة، ثم تلتحق بالجامعة لتدرس الصحافة، التخصص الذي كانت ترى فيه مستقبلها. لم تكن أحلامها استثنائية أو بعيدة المنال، بل كانت تشبه أحلام أي فتاة في السادسة عشرة من عمرها أن تكمل تعليمها، وتمنح نفسها فرصة لصناعة حياة اختارتها بنفسها. غير أن تلك الأحلام توقفت عند أبواب السجن، قبل أن تتمكن حتى من الوصول إلى عامها الدراسي الأخير.


اقرأ أيضًا: والد الأسيرة جنى أبو وردة: "لو اعتقلوني أهون علي من اعتقال بنتي"


تصفها عائلتها بأنها صاحبة شخصية قوية وجريئة، لكنها في الوقت ذاته شديدة اللين مع من حولها. كانت ترفض الظلم وتتمتع بقلب متسامح لا يحمل ضغينة لأحد، وتحرص على أن تكون مصدر راحة لكل من يحيط بها. لم تكن القوة بالنسبة لها تعني القسوة، بل كانت تجتمع في شخصيتها الجرأة مع الحنان، والحزم مع الطيبة، حتى غدت هذه الصفات أكثر ما يميزها في نظر أفراد أسرتها.

لم تكن علا تنتظر أن يُطلب منها المساعدة في عائلتها فهي ترى أن هذا أسلوب للحياة، حتى أصبحت، كما تصفها شقيقتها وعد: "تحمل عن الجميع"، رغم أنها الأصغر بينهم جميعًا. ولم يقتصر كون علا محبوبة داخل أسرتها فحسب، إذ نشأت بين جيران وأصدقاء عرفوها بطيبة القلب وحسن المعاملة، وكونت دائرة واسعة من الصديقات. أما شقيقاتها، فلم تكن تنظر إليهن بوصفهن أخوات فقط، بل كن بالنسبة لها صديقاتها الأقرب تشاركهن تفاصيل يومها، وتلجأ إليهن كما يلجأن إليها، في علاقة تجاوزت روابط القرابة إلى صداقة.

أحلام هدمت

IMG-20260707-WA0029.jpg

وعندما يُسأل أهلها عن أكثر ما يميزها، لا يتحدثون عن إنجاز أو موقف بعينه، بل عن صفة تتكرر في كل إجابة: طيبة القلب. يقولون أنها كانت تسابق الجميع إلى تقديم العون، وتفرح عندما ترى أثر مساعدتها في الآخرين، وتمنح من حولها شعورًا بالأمان والطمأنينة بحضورها، حتى أصبحت جزءًا ثابتًا من تفاصيل البيت يصعب تخيل غيابه.

ولعل أكثر ما تفتقده الأسرة اليوم ليس فقط يدها التي كانت تمتد للمساعدة، بل حضورها نفسه. حضور الفتاة التي كانت تملأ البيت بالحركة، وتخفي تعبها خلف ابتسامة دائمة، وتصر على أن تبدو بخير حتى في الأيام التي كانت تحمل فيها ما يثقل قلبها. بالنسبة لعائلتها يمثل اعتقالها غياب روح كانت تمنح البيت دفئه، وتترك أثرًا في كل زاوية من زواياه.

في مساء الثالث والعشرين من أيار/مايو 2026 , عند نحو الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، تبدد هدوء منزل عائلة قطيشات على وقع اقتحام قوات الاحتلال للمنطقة. توقفت الآليات العسكرية أمام البيت، ثم بدأ الجنود بطرق الباب بعنف قبل اقتحامه. في لحظات قليلة، تحولت السكينة التي اعتادتها العائلة إلى حالة من الارتباك والخوف، بينما انتشر الجنود داخل المنزل يبحثون عن اسم واحد.

تصف الأسرة تلك اللحظات بأنها كانت من أصعب ما مرت به. فبين صدمة الأب والأم، وذهول الأشقاء، ارتفعت أصوات البكاء في أرجاء المنزل. لم يكن أحد يتوقع أن تبدأ الليلة بهذا المشهد، أو أن تستيقظ العائلة على واقع جديد يفرض نفسه دفعة واحدة. تقول شقيقتها التي رافقتنا في إعداد هذا التقرير  أن الخبر وصل إليها صباح اليوم التالي، لكنها ما إن علمت بما جرى حتى أسرعت إلى منزل العائلة، لتجد والديها في حالة انهيار

كانت علا نائمة في سريرها عندما وصل الجنود إلى غرفتها. نادوا باسمها: علا عبد الناصر طالب قطيشات، ثم طلبوا منها مرافقتهم. لم تكن العائلة قد استوعبت ما يحدث، ولم يكن لدى أحد منهم تفسير لوجود هذا العدد من الجنود داخل منزلهم من أجل اعتقال فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها..!

تصف الأسرة تلك اللحظات بأنها كانت من أصعب ما مرت به. فبين صدمة الأب والأم، وذهول الأشقاء، ارتفعت أصوات البكاء في أرجاء المنزل. لم يكن أحد يتوقع أن تبدأ الليلة بهذا المشهد، أو أن تستيقظ العائلة على واقع جديد يفرض نفسه دفعة واحدة. تقول شقيقتها التي رافقتنا في إعداد هذا التقرير  أن الخبر وصل إليها صباح اليوم التالي، لكنها ما إن علمت بما جرى حتى أسرعت إلى منزل العائلة، لتجد والديها في حالة انهيار. كانت الأم تبكي باستمرار، فيما بدا وقع الصدمة واضحًا على الأب الذي لم يكن يتخيل أن تُعتقل ابنته القاصر بهذه الطريقة. 

وبحسب ما أبلغهم به المحامي لاحقًا، فإن التهمة المنسوبة إلى علا هي "التحريض"، وهي كما اعتدنا في التوثيق تهمة غالبية الأسيرات.. أما علا فلا تزال قضيتها منظورة أمام القضاء العسكري، بعد تأجيل جلسات المحكمة عدة مرات، وحددت لها جلسة جديدة بتاريخ 28 تموز/يوليو 2026، وفق ما أفادت به عائلتها.

ألم انعدام الأخبار أشد وطأة

IMG-20260707-WA0033.jpg

كان هذا أول اعتقال تتعرض له علا في حياتها، كما أنه أول تجربة اعتقال تعيشها الأسرة بهذا القرب. تقول شقيقتها إن العائلة لم يسبق لها أن مرت بمثل هذا الحدث، ولذلك جاء وقعه مضاعفًا, فكل تفاصيله كانت جديدة ومؤلمة في آن واحد، من لحظة الاقتحام، إلى مغادرة علا المنزل، ثم انتظار أي خبر عنها في الأيام التالية.

ومنذ تلك الليلة، لم يعد البيت كما كان. بقي سرير علا في مكانه، وبقيت أغراضها شاهدة على خروج مفاجئ لم تكن العائلة تتوقعه. أما الساعات الأولى بعد اعتقالها، فقد ظلت محفورة في ذاكرة أهلها، تلك اللحظة التي انقسمت فيها حياتهم إلى ما قبل الاعتقال وما بعده. غياب علا هو غياب حضور يومي اعتادت العائلة أن تعتمد عليه في تفاصيل حياتها الصغيرة قبل الكبيرة. فمنذ لحظة اعتقالها، تغير إيقاع المنزل، وبات الجميع يشعر بأن شيئًا أساسيًا ينقصه، رغم أن أغراضها ما تزال في أماكنها، وصوتها ما يزال حاضرًا في ذاكرة من أحبها.


اقرأ أيضًا: الأسير فتحي الخطيب: مسن قضى 24 عامًا في السجون ولا يزال


كما أن اعتقالها جاء في توقيت بالغ القسوة بالنسبة للعائلة. فقد كانت الأسرة تستعد لاستقبال عيد الأضحى، وكانت علا قد وعدت والدتها بمساعدتها في تجهيزات العيد وصنع كعك العيد "المعمول" ، كما اعتادت في كل عام. لكن العيد حلّ هذه المرة وهي خلف القضبان، لتتحول الاستعدادات التي كانت تنتظرها الأسرة إلى مناسبة يغلب عليها الغياب.

مرت أيام وأسابيع حملت معها مناسبات عائلية اعتادت علا أن تكون أول من يذكر بها. كانت تتذكر أعياد ميلاد والدها وشقيقاتها، حتى وإن لم تكن الأسرة تحتفل بها بصورة رسمية، وكانت تحرص على أن تمنح كل مناسبة روحها الخاصة، بكلمة طيبة أو لفتة بسيطة. واليوم، تمر تلك الأيام بصمت، لأن صاحبة المبادرة لم تعد موجودة بينهم.

وتأمل الأسرة أن تعود علا قبل موعد إعلان نتائج الثانوية العامة لهذا العام، حتى تعيش فرحة نجاح شقيقتها، بعدما كانت تنتظر يومًا تعلن فيه هي أيضًا نجاحها في الثانوية، قبل أن تؤجلها ظروف الاعتقال. بالنسبة لهم، لم يعد الأمر متعلقًا بمناسبة بعينها، بل بعودة الابنة التي كانت تصنع الفرح في البيت بأبسط التفاصيل.

روح البيت الغائبة

IMG-20260707-WA0031.jpg
 

ومع مرور أكثر من شهر على غيابها تقول شقيقتها إن العائلة لم تستطع التكيف مع غيابها. فما زالت والدتها تستحضرها في كل ركن من المنزل، وما زال والدها ينتظر أي خبر يطمئن قلبه، فيما تعيش شقيقاتها شعورًا دائمًا بالنقص، وكأن فردًا من العائلة خرج على عجل ولم يعد بعد. تمتد معاناة الأسرة إلى ما بعد الغياب،مع قلة الأخبار وانقطاها حول ابنتهم الأسيرة. فالتواصل مع علا يتم بوسائل محدودة، إما عبر المحامية التي تنقل الرسائل، أو من خلال أسيرات يُفرج عنهن ويحملن أخبارًا عن أوضاع المعتقلات. وبين رسالة وأخرى، تعيش العائلة على ما يصلها من كلمات مقتضبة، تحاول أن تبني منها صورة عن يوميات ابنتها داخل الأسر.

تؤكد العائلة أن أي ظروف احتجاز لا يمكن أن تكون سهلة على فتاة في السادسة عشرة من عمرها، انتُزعت فجأة من مدرستها وبيتها وأحلامها، لتبدأ تجربة لم تكن تتخيل يومًا أنها ستعيشها. وعندما يُسأل أفراد الأسرة عن أكثر ما يفتقدونه فيها، تتكرر الإجابة ذاتها: ابتسامتها. يقولون إنها كانت تبتسم حتى في الأوقات الصعبة، وتحرص على ألا تنقل حزنها إلى من حولها. كانت تدخل إلى البيت بروح مرحة، فتخفف عن الجميع، وتزرع في المكان طاقة مختلفة. لذلك،  فهم يقيسون بعدد اللحظات التي تمنوا فيها لو كانت بينهم.


اقرأ أيضًا: قبر انفرادي: الاحتلال ينتقم من بطل نفق الحرية مناضل نفعيات


منذ اعتقالها، ومع ما ذكرناه من شح الأخبار والمعلومات عنها وعن بقية الأسيرات يبقى الانتظار سيد المشهد، وتبقى الأسئلة أكبر من الإجابات. تتابع الأسرة جلسات محاكمتها المؤجلة على أمل أن تحمل إحداها خبرًا يبدد شهور القلق، فيما يترقب أفرادها اليوم الذي تعود فيه علا إلى منزلها، لتستأنف حياتها التي توقفت فجأة. نقلت عائلة الأسيرة علا قطيشات عنها، أنها كانت تحلم بحياة بسيطة تتناسب مع عمرها تنهي المرحلة الثانوية، ثم تلتحق بكلية الصحافة، لتشق طريقها في الحياة مثل أي فتاة في عمرها. حلم لم يكن قد بدأ بعد، لكنه توقف مؤقتًا خلف أبواب السجن، بانتظار أن تستعيد حريتها وتعود إلى مقاعد الدراسة.

وفي رسالة تحمل الكثير من الشوق، توجه شقيقتها وعد كلماتها إلى علا قائلة: "بحبك كثير يا علا، ومشتاقينلك كثير. كل يوم بنستنى رجعتك، وكل زاوية بالبيت بتذكرنا فيكي. إحنا فخورين فيكي، وفخورين بقوتك انتِ قدها، وبإذن الله رح ترجعي بينا قريب، ونحضنك ونكمل حياتنا سوا." تعيش العائلة في هذه الأيام على أمل الفرج الذي ستستأنف علا فيه حياتها من النقطة التي توقفت عندها، وأن تعود أحلامها إلى مسارها الطبيعي، بعيدًا عن السجن، وقريبًا من بيتها الذي ما زال يحتفظ بمكانها كما تركته بكل ما فيه من حب ودعم وقوة.