لا تتمنى والدة الأسيرين بكر وجهاد خريوش من طولكرم سوى أن تحتضنهما مجددًا وتراهما بصحة وعافية، في ظل ما يتعرض له الأسرى من تجويع وتعذيب وانتهاكات قاسية تفوق الوصف. منذ اعتقال الشقيقين بكر وجهاد خريوش، تعيش العائلة حالة من الفراغ والاشتياق، بعد أن غابا عن تفاصيل الحياة اليومية التي كانا يصنعانها بضحكاتهما وقربهما من أفراد العائلة.
ورغم أن بكر وجهاد خريوش خاضا تجربة الاعتقال سابقًا، فإن الاعتقال الحالي يُعد الأقسى عليهما وعلى أسرتهما، التي تترقب أي خبر يطمئنها عليهما وسط انقطاع المعلومات، وتفاقم معاناة الأسرى داخل السجون، في ظل سياسات وإجراءات قاسية تطال أكثر من تسعة آلاف أسير فلسطيني في سبعة وعشرين سجنًا ومركز توقيف.
الأخوة الأسرى

في منتصف شهر يناير من عام ألفين وثلاثة وعشرين، اعتقلت قوات الاحتلال جهاد محمد خريوش، وأخضعته للاعتقال الإداري لمدة عام، قبل أن تحوّل ملفه إلى قضية وتحكم عليه بالسجن عامًا إضافيًا، وبعد انتهاء مدة الحكم، لم ينل حريته، إذ جددت سلطات الاحتلال اعتقاله إداريًا مرة أخرى. ثلاثة أعوام ويزيد قضاها جهاد حتى اللحظة في سجون الاحتلال، أما لحظة الحرية فما تزال مؤجلة بأوامر إدارية متعاقبة، وعلى أمل اللقاء تعيش العائلة بصبر ويقين بنصر من عند الله وفرج قريب.
آخر ما وصل العائلة من معلومات عنه أنه متواجد في سجن جلبوع، وقد تعافى مؤخرًا من مرض السكايبوس. أما بكر، فقد أعاد الاحتلال اعتقاله بعد نحو سبعة أشهر من تحرره في صفقة تبادل الأسرى المعروفة بـ”طوفان الأحرار”، حيث قضى نحو ستة أعوام من أصل حكمه البالغ تسعة أعوام بتهمة إيواء ومساعدة الشهيد “أشرف نعالوة”.
اقرأ أيضًا: بعد أكثر من 3 عقود.. زوجة معزوز دلال تروي عن زوجها
وتتحدث زوجة بكر، السيدة إسراء نصر الله، عن لحظة الاعتقال بالقول: "اعتُقل بكر من البيت بعد اقتحامه من قبل الجنود المدججين بالسلاح، كانت الساعة الثالثة والنصف ليلًا”. وتضيف: "تفاجأنا باعتقاله، وخاصة أنه ما كان له فترة طويلة خارجًا من السجن بصفقة الطوفان، ما لحقنا نشبع منه ولا نشوفه منيح، وأولاده صاروا يبكوا ويسألوا: ليش اعتقلوا بابا؟ ومتى بده يرجع؟”
ترك اعتقال بكر أثرًا بالغًا على زوجته وأطفاله الثلاثة، فيما وُلد طفلهم الرابع ليبصر نور الحياة في ظل حرمانه من رؤية والده. في حين تعقب إسراء على أثر الاعتقال على ابنتهما الكبرى جنان قائلة: "ما عاشت مع أبوها كثير، اعتقاله الأول كانت بعمر أربعة شهور، وبس طلع كانت بعمر سبع سنوات، وما لحقت تفرح بحياتها معه، بالفترة اللي قعدها معنا كانت بتحاول بس تكسب أبوها وتكون معه بكل لحظاته".
اعتقال بعد تحرر

أما طفلاه التوأم عن طريق النطف المهربة، محمد وشام، فقد أبصرا نور الحياة وبكر داخل الأسر، ليحتضنهما بعد ثمانية أشهر عقب تحرره في صفقة الطوفان. ولا شك أن غياب الأب لا يمكن أن يعوّضه شيء بالنسبة للأطفال، إذ يترك شعورًا عميقًا بالنقص والحرمان العاطفي يرافقهم في تفاصيل حياتهم اليومية، فمهما حاولت الأم أن تسدّ فراغ الأب، يبقى لهذا الفراغ أثره الذي لا يُعوّض. قد تقوم الأم بدورَي الأم والأب معًا، لكن حنان الأب ووجوده في حياة أبنائه يظل لهما طابع مختلف لا يمكن استبداله، وهذا ما أكدته إسراء.
ولعل كلمات زوجها الأسير شكّلت لإسراء بلسمًا يخفف من وطأة الغياب ويبعث في قلبها الطمأنينة والأمل، تقول: “بفتقد حنانه ووجوده بالبيت ولمة العيلة، الحمد لله أنا إنسانة صابرة ومش أول مرة بتعرض لهاي المحنة، ودائمًا أتذكر كلام زوجي إنه ربنا إذا أحب عبدًا ابتلاه، هاي الجملة كافية تخليني أصبر، وبكفي الأجر اللي بناخذه، ما بدنا إشي من الدنيا، بدنا الآخرة وبس”.
في كل مرة أتحدث فيها مع أهالي الأسرى، أتلمّس صبرًا استثنائيًا ونفَسًا طويلًا وعزيمة لا تلين، وأقف بإجلال أمام زوجات لم يعشن من تفاصيل الحياة الزوجية سوى أشهر قليلة أو بضع سنوات، مقابل عشرين عامًا أو أكثر من الفراق والانتظار، ومع ذلك يواصلن السير بثبات، مستندات إلى إيمان عميق بالله وثقة راسخة بوعده، يستمددن منها القوة على احتمال الغياب ومواجهة قسوة الأيام.
أمل اللقاء

وأعربت إسراء عن قلقها الدائم على صحة زوجها في ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها الأسرى، وجلّ ما تعرفه عنه أنه موجود في سجن مجدو، مصاب بمرض السكايبوس، وقد فقد نحو عشرة كيلوغرامات من وزنه. وتتابع إسراء حديثها: “طبعًا الخوف لا بد منه في ظل هاي الأوضاع، لكن دائمًا بندعيله، ودائمًا أستودعه لله الرحمن الرحيم”.
وتواجه إسراء مع أطفالها ظروفًا قاسية؛ فمن جهة تعاني مرارة اعتقال زوجها، ومن جهة أخرى تكابد مرارة النزوح، بعدما اضطرت إلى مغادرة منزلها عقب شن قوات الاحتلال عملية عسكرية على مخيم طولكرم، إذ لجأت إلى استئجار منزل يؤويها وأطفالها. ولم تتوقف معاناتها عند هذا الحد، بل زادها تفاقمًا قطع راتب زوجها من قبل السلطة الفلسطينية، الذي كان المصدر الوحيد لإعالة الأسرة وتأمين احتياجاتها الأساسية، ما أثقل كاهلها بأعباء معيشية متزايدة.
اقرأ أيضًا: أسرى منفيون: زوجات المبعدين في صفقة "طوفان الأحرار" في سجون الانتظار
حرب من الأعصاب تعيشها عائلة خريوش مع اقتراب انتهاء الاعتقال الإداري لنجليها جهاد وبكر؛ حرب نفسية خلقها الاحتلال متعمدًا لكسر عزيمة الأسير وذويه، متلذذًا بعذابات الفلسطينيين. ويُعدّ الاعتقال الإداري من أكثر أشكال الاعتقال قسوة على الأسرى، فمعرفة الأسير لمدة محكوميته، مهما طالت، تبقى أهون عليه من البقاء تحت طائلة الاعتقال الإداري الذي يفتقر إلى أفق زمني واضح، ويجعل الحرية مؤجلة بقرارات تجديد متعاقبة.
وفي آخر تحديث، وبحسب إحصاءات هيئة شؤون الأسرى والمحررين، بلغ عدد الأسرى في سجون الاحتلال نحو (9500) أسير، من بينهم (90) أسيرة، ونحو (360) طفلًا، يحتجزهم الاحتلال في سجني مجدو وعوفر، فيما بلغ عدد الأسرى الإداريين (3324) معتقلًا.

