بنفسج

مدينة على قدميها.. تمشى بخطى مثقلة

السبت 01 اغسطس

يوميات من غزة
يوميات من غزة

في غزة، لم يعد المشي رياضة، ولا نزهة، ولا خيارًا عابرًا حين تتأخر وسيلة النقل. صار طريقة أخرى للحياة. مدينة بأكملها تمشي؛ لأن عليها أن تصل، ولأن كثيرًا من الطرق التي كانت تختصر المسافات لم تعد موجودة. في الصباح، يخرج الطالب بحقيبته. تبدو ثقيلة على كتفيه الصغيرتين، لكنه يمضي إلى مساحته التعليمية، يسلك شارعًا لم يعد يعرف ملامحه القديمة، يتجنب حفرة وركامًا، ويبحث بعينيه عن موضع مناسب يضع فيه قدمه.
يمضي إلى الدرس، لكن الطريق يلقنه درسًا آخر قبل أن يصل.

يصل الطفل إلى صفه وقد أخذ الطريق شيئًا من خفته ومشاكسته. يضع حقيبته، يفتح دفتره، ويحاول أن يجمع ذهنه حول الكلمات. يشرب الماء، يمسح عرق وجهه بكم قميصه، ثم يجلس لحظات قبل أن يبدأ. لا يحتاج إلى تفسير صمته؛ كل ما يريده أن تهدأ أنفاسه، وأن تستريح نفسه كما استراح جسده. ثم يأتي المعلم. هو أيضًا يمشي. يخرج قبل موعد عمله بوقت، لأن الرحلة لم تعد مضمونة كما كانت. قد يطول الطريق بسبب ركام، أو مسار تغيّر، أو وسيلة نقل تأخرت. وحين يصل، يكون قد استهلك جزءًا من يومه قبل أن يبدأ الدوام.

يضع أوراقه، يأخذ نفسًا طويلًا، ويدخل إلى طلابه. يشرح ويسأل، ويحاول أن يبقى حاضرًا أمام أطفال لا ذنب لهم في مشقة الطريق. يؤجل شكواه، لكن الجسد يفضح ما يحاول إخفاءه؛ يظهر التعب في وقفته، وفي انحناء ظهره، وفي لحظة صمت بين جملتين. وحين ينتهي الدوام، لا يكون يومه قد انتهى. عليه أن يعود.

ما وفرته من ثمن لم يأتِ بلا كلفة؛ لقد دفع الجسد جزءًا منه. ويمضي المريض إلى علاجه. الرجل الذي لديه موعد، والأم التي تمسك يد طفلها، والقريب الذي يسند مريضًا؛ جميعهم يحملون هم الوصول قبل أن يبلغوا مكان العلاج. فالوجع لا ينتظر وسيلة نقل، والجسد المرهق لا يستطيع تأجيل حاجته. وفوق الألم خوف آخر: أن يتأخر، فيفوت موعده، ويعود بما خرج لأجله من دون نتيجة.

في غزة، لا تحتاج إلى مسافة طويلة كي تدرك ثقل الطريق. أحيانًا يكفي أن تحمل معك ما تريد أن تعود به إلى البيت. تقطع النساء مسافات بعيدة بحثًا عن بضاعة أرخص، وعن سوق يترك في اليد بضعة شواكل لحاجة أخرى. تذهب المرأة إلى السوق الأبعد لأن القريب أثقل على الجيب؛ تمشي أكثر كي تدفع أقل. وحين تعود، تضع الأكياس وتكمل أعمالها، لكن شيئًا من الرحلة يظل في ساقيها وظهرها.

ما وفرته من ثمن لم يأتِ بلا كلفة؛ لقد دفع الجسد جزءًا منه. ويمضي المريض إلى علاجه. الرجل الذي لديه موعد، والأم التي تمسك يد طفلها، والقريب الذي يسند مريضًا؛ جميعهم يحملون هم الوصول قبل أن يبلغوا مكان العلاج. فالوجع لا ينتظر وسيلة نقل، والجسد المرهق لا يستطيع تأجيل حاجته.
وفوق الألم خوف آخر: أن يتأخر، فيفوت موعده، ويعود بما خرج لأجله من دون نتيجة.

عندها يصبح الطريق جزءًا من المرض نفسه. ويمضي الناس إلى مراكز المساعدات لاستلام ما ينتظرونه هناك. يكون طريق الذهاب أخف من طريق العودة؛ ففي الذهاب يحمل الإنسان نفسه فقط، أما في العودة فعليه أن يحمل معه ما استطاع الحصول عليه. يسير قليلًا، ثم يتوقف، وقد يكون محظوظًا إذا وجد عربة أو سيارة متهالكة تحمله وحمولته إلى جزء من الطريق.


اقرأ أيضًا: الحرب بعيون الأمهات: ماذا غيّرت فيكن الحرب؟


حتى الروابط الاجتماعية بدأت تدفع ثمن المسافة. هناك من يريد أن يذهب إلى أمه، أو أخته، أو قريب لم يره منذ زمن. لكن السيارات التي كانت تختصر المسافات غاب كثير منها، والمواصلات لم تعد دائمًا في متناول الجميع. حتى نقص الفكة قد يؤجل رحلة كاملة. لذلك بدأت العلاقات تجد طرقًا أخرى.
اتصال بدل الزيارة، ورسالة حين يتعذر اللقاء: كيفكم؟ طمنيني عنكم... اشتقتلكم. ينتهي الاتصال، وتبقى المسافة.

أما الطريق نفسه، فقد صار امتحانًا آخر. ركام يضيّق الممرات، وحفر تقطع الشوارع، وأرصفة لم تعد صالحة للمشاة. يمشي الإنسان وهو يراقب الأرض أكثر مما يراقب ما أمامه. وقد تزل قدمه. يؤلمه جسده، وربما يفتح السقوط في داخله حزنًا كان مؤجلًا؛ حزنًا لم يجد صاحبه وقتًا له لأنه كان مشغولًا بالوصول. يبكي قليلًا، ينهض، ثم يكمل. ليس لأن الألم انتهى، بل لأن الطريق ما زال أمامه.

أما الآن، فقبل كل مشوار سؤال آخر: كم سيأخذ الطريق؟  هل توجد وسيلة؟  هل أستطيع دفع أجرتها؟  وإذا مشيت، هل أملك من القوة ما يكفي حتى النهاية؟ لهذا صارت المسافة شيئًا آخر. أحيانًا تكون عدد مرات التوقف، وأحيانًا وقتًا طويلًا ينظر فيه المرء إلى ساعته ويخشى أن يفوته ما خرج من أجله. وللأقدام نصيب من هذه الحكاية. قدم تؤلم صاحبها ولا يتحدث عنها، وحذاء استُهلك من كثرة الاستعمال، وطفل يعود إلى البيت وقد أتعبته المسافة.

وفي الطريق، لا يختار الغزي دائمًا الطقس الذي سيمشي فيه. شمس تثقل الرأس وتجفف الحلق، أو مطر يتجمع في المنخفضات ويلتصق بالطين بالأحذية، وريح تعاند الخطوة. تحمل الأم طفلها وتحاول ألا تسقط، ويواصل الرجل سيره وهو يراقب الأرض، ويمضي الطفل بحقيبته كأن الوصول وحده صار غاية. ومع ذلك، يخرج الناس، ولعل أكثر ما يوجع أن الغزي لا يمشي إلى شيء استثنائي. يريد أن يصل إلى مدرسته، أو عمله، أو السوق، أو الطبيب، أو بيت قريب. أشياء كانت تُفعل ذات يوم من دون حسابات كثيرة.

أما الآن، فقبل كل مشوار سؤال آخر: كم سيأخذ الطريق؟  هل توجد وسيلة؟  هل أستطيع دفع أجرتها؟  وإذا مشيت، هل أملك من القوة ما يكفي حتى النهاية؟ لهذا صارت المسافة شيئًا آخر. أحيانًا تكون عدد مرات التوقف، وأحيانًا وقتًا طويلًا ينظر فيه المرء إلى ساعته ويخشى أن يفوته ما خرج من أجله.
وللأقدام نصيب من هذه الحكاية. قدم تؤلم صاحبها ولا يتحدث عنها، وحذاء استُهلك من كثرة الاستعمال، وطفل يعود إلى البيت وقد أتعبته المسافة.

تسأله أمه: كيف كان الطريق؟ لا يشرح، يقول فقط: وصلت. فتطمئن إلى أن الطريق، بكل ما حمله، أعاده إليها. وفي آخر النهار، حين يصل الغزي إلى خيمته أو بيته، يضع ما حمله، ويستريح قليلًا، ثم ينظر إلى الطريق الذي قطعه. طريق لم يكن طويلًا في المسافة وحدها، بل في كل ما اضطر أن يحمله معه: تعبٌ لا يُرى، وقلقٌ يرافق الخطوة، وأشياء كثيرة كان يتمنى لو استطاع أن يصل إليها من دون كل هذا العناء.

ربما لا يقول شيئًا. فبعض الرحلات لا تُروى؛ يكفي أن تنتهي. يهدأ قليلًا، وينظر إلى من ينتظره، كأن الوصول هذه المرة لم يكن إلى بيتٍ فقط، بل إلى مكان ظل يبحث عنه طوال الطريق. ثم يترك يومه خلفه، ويترك قدميه للراحة. وغدًا، سيخرج من جديد، ويمشي؛ كي يصل. وفي غزة، يكفي أحيانًا أن تقول: وصلت.