يا أمةً كانت يومًا ملاذ المستضعفين، وحصن المظلومين، هل بلغكم أن في فلسطين أطفالًا لا يحفظون من لياليهم حكايات الجدات، بل يحفظون صوت الأبواب وهي تُكسر، وصدى الأحذية العسكرية وهي تقتحم غرف نومهم، وصرخات الأمهات وهي تعجز عن حماية فلذات أكبادها؟ هل بلغكم أن طفلًا فلسطينيًا قد ينام بين أحضان أمه، ثم يستيقظ مكبل اليدين، معصوب العينين، لا يعلم إلى أين يُقتاد، ولا لماذا يُنتزع من سريره قبل أن يكتمل حلمه الصغير؟
ندوب الاعتقال

إنها ليست حوادث متفرقة، ولا قصصًا فردية تُروى على هامش الأخبار، بل سياسة ممنهجة تستهدف الطفولة الفلسطينية في أقدس مراحلها. فوفق المؤسسات الحقوقية، يتعرض ما بين خمسمائة وسبعمائة طفل فلسطيني سنويًا للاعتقال والمحاكمة أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية، فيما يقبع مئات الأطفال خلف القضبان، كثير منهم رهن الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة. وخلال عقد واحد فقط، مرّ آلاف الأطفال الفلسطينيين بتجربة الاعتقال والاستجواب، في مشهد يكشف حجم الجرح الذي يُغرس في قلب فلسطين عامًا بعد عام.
أيها الأحرار… حين يُعتقل الطفل، لا يُسلب حريته وحدها، بل تُنتزع طفولته، ويُسرق منه الإحساس الأول بالأمان، وتتحول المدرسة إلى ذكرى بعيدة، واللعبة إلى حلم مؤجل، والليل إلى موعد دائم مع الخوف.
سالم، ابن السادسة عشرة، لم يحمل سلاحًا، ولم يطرق باب أحد، كان نائمًا في بيت أسرته، لكن الجنود طرقوا بابه قبل الفجر، واقتادوه مكبلًا إلى التحقيق. عاد بعد أسابيع، إلا أن العائد لم يكن الطفل نفسه؛ عاد بجسد واحد، لكن بروح أثقلها الخوف، وصمتٍ أطول من عمره، ونظرات شاردة تبحث عن شيء سُرق منها ولن يعود بسهولة.
حين تنتزع الطفولة

وأحمد، راعي الأغنام الصغير في الأغوار الفلسطينية، لم يكن يتوقع أن تتحول عطلته المدرسية إلى ساعات من الضرب والإهانة والاحتجاز. لم تكن جراح القيود التي نزفت من معصميه هي الندبة الوحيدة، بل كانت البداية لندوب لا تراها العين. صار يخشى الخروج وحده، ويرتجف من الأصوات المفاجئة، وتراجع في دراسته، بينما امتد الخوف إلى إخوته الذين شاهدوا بأعينهم كيف يمكن لطفل أن يُعامل كأنه مجرم لأنه وُلد فلسطينيًا.
أما منير، فقد دخل السجن وهو يعتقد أن السجون خُلقت للكبار فقط. استيقظ ذات ليلة على جنود يقتحمون منزله، ويعصبون عينيه، بينما كانت أمه تبكي، وأبوه يسأل: إلى أين تأخذونه؟ سؤال بقي معلقًا في الهواء، كما بقيت دموع تلك الليلة عالقة في ذاكرة الطفل. خرج منير بعد أشهر، لكن السجن لم يخرج منه. فما زالت الكوابيس توقظه، وما زال أي صوت ليلي يعيده إلى تلك اللحظة التي تبدلت فيها حياته إلى الأبد.
اقرأ أيضًا: والد الأسيرة جنى أبو وردة: "لو اعتقلوني أهون علي من اعتقال بنتي"
يا أمة الإسلام… إن أخطر ما في الاعتقال ليس عدد الأيام التي يقضيها الطفل خلف القضبان، بل عدد السنوات التي يقضيها بعد الإفراج وهو يحاول أن يتخلص من آثارها. فالقيود قد تُفك، لكن الخوف يبقى. والزنزانة قد تُغلق، لكن أبوابها تظل مفتوحة في ذاكرة الطفل كل ليلة.
لقد أكدت المؤسسات الحقوقية الدولية، ومن بينها اليونيسف ومنظمة “أنقذوا الأطفال”، أن اعتقال الأطفال يخلّف آثارًا نفسية عميقة تمتد لسنوات، تشمل اضطرابات ما بعد الصدمة، والقلق المزمن، والأرق، وصعوبات التعلم، وفقدان الشعور بالأمان. كما أجمعت تقارير حقوقية، بما فيها تقارير صادرة عن منظمات إسرائيلية، على أن الاقتحامات الليلية، والعزل، والتحقيق تحت الضغط، تترك ندوبًا تتجاوز زمن الاعتقال نفسه، لترافق الطفل في مدرسته، وفي بيته، وفي مستقبله.
لا تفرطوا بأطفال فلسطين

إنها ليست معركة على الجسد فحسب، بل حرب على الوعي، وعلى الذاكرة، وعلى مستقبل جيل كامل. أيها العرب… إن الطفل الفلسطيني لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن امتياز خاص، بل يريد حقًا يعرفه كل أطفال الأرض: أن ينام دون أن يخشى اقتحامًا، وأن يستيقظ على صوت أمه لا على صراخ الجنود، وأن يحمل حقيبته المدرسية بدل أن تُقيد يداه بالأصفاد.
إن صمت العالم لا يمحو الجريمة، لكنه يطيل عمرها. أما صمت الأمة، فهو أشد قسوة؛ لأنه يترك الطفل يواجه جلاده وحده، ويترك الأم تبكي وحدها، ويترك فلسطين تحمل عبء الدفاع عن طفولتها نيابة عن الجميع. يا أمة الملياري مسلم… ليست مسؤوليتكم أن تحملوا عن أطفال فلسطين آلامهم، فهذا ما لا يقدر عليه أحد، لكن مسؤوليتكم ألا يصبح هذا الألم خبرًا عابرًا، ولا رقمًا في تقرير، ولا صورة تُطوى بانتهاء نشرة الأخبار.
اكتبوا عنهم، وانطقوا باسمهم، وادعموا قضاياهم، وعلّموا أبناءكم أن وراء كل رقم طفلًا له اسم، وله أم تنتظر، وله سرير ما زال يحتفظ بآثار جسده الصغير. فإن الأمم التي تعجز عن حماية طفولتها، أو عن نصرة الطفولة المظلومة، إنما تفرط في إنسانيتها قبل أن تفرط في تاريخها. وستبقى ندوب الاعتقال شاهدة على جريمة لا تنتهي بخروج الطفل من السجن، بل تبدأ يوم يخرج وهو يحمل في قلبه خوفًا أكبر من عمره، وطفولةً أُجبرت على أن تكبر قبل أوانها.

