بنفسج

مستقبلًا مشوهًا.. ويبقى السؤال معلقًا: هل سنحيا إلى الغد؟

الأحد 05 يوليو

آثار حرب الإبادة
آثار حرب الإبادة

لا تقتصر الحروب على عدد الشهداء والجرحى، ولا يمكن اختزال آثارها في حجم الدمار الذي تُخلّفه المباني والطرقات. فالحرب تترك ندوبًا أعمق من الخراب المادي؛ إذ تمتد إلى الإنسان نفسه، لتغيّر ملامحه، وتستنزف صحته، وتعيد تشكيل ذاكرته وعلاقته بالحياة والمكان. وما تشهده غزة منذ أشهر يمثل نموذجًا صارخًا لهذا النوع من التشوّه المركب، حيث لم يعد الضرر محصورًا في لحظة القصف، بل أصبح واقعًا يوميًا يطال الجسد والنفس والبيئة والمستقبل.

تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين أصيبوا بإعاقات دائمة أو مؤقتة، فيما يعيش مئات الآلاف في ظروف صحية ونفسية بالغة القسوة نتيجة انهيار المنظومة الصحية، وانعدام الأمن، واستمرار النزوح. وفي ظل هذا الواقع، تتجاوز آثار الحرب حدود الإصابة المباشرة لتصبح حالة إنسانية شاملة، تُغيّر ملامح المجتمع بأسره، وتترك آثارًا قد تمتد لعقود طويلة. ومن هنا، فإن الحديث عن “التشوه” لا يقتصر على تشوه الجسد، وإنما يشمل تشوه الحياة اليومية، والإحساس بالأمان، والقدرة على التعافي، والارتباط بالمكان.

تشوهات في الجسد… وندوب لا يراها الطب وحده

تشوهات بفعل الحرب

يُعدّ التشوه الجسدي من أكثر النتائج قسوة للحروب الحديثة، ولا سيما عندما تُستخدم أسلحة ذات قدرة تدميرية هائلة في مناطق مكتظة بالسكان. فقد أفرزت الحرب آلاف حالات بتر الأطراف، وفقدان البصر، والحروق العميقة، والإصابات التي غيّرت ملامح الضحايا بصورة دائمة.

لكن الخسارة الحقيقية لا تكمن في الإصابة نفسها، بل فيما يليها من تحديات نفسية واجتماعية. فالكثير من المصابين يواجهون صعوبة في تقبل صورتهم الجديدة، ويشعرون بالعزلة والخوف من نظرة الآخرين، بينما يعاني الأطفال المصابون من اضطرابات في الهوية وتقدير الذات، نتيجة تغير شكل أجسادهم في مرحلة عمرية حساسة.


اقرأ أيضًا: حين تُهدم المدارس وتُهجَّر الأحلام… شهادة طفل من غزة


وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الإصابات المعقدة التي تتطلب إعادة تأهيل طويل الأمد ارتفعت بصورة غير مسبوقة، بينما يحتاج آلاف المصابين إلى أطراف صناعية وجراحات ترميمية ورعاية متخصصة قد تمتد لسنوات. غير أن انهيار القطاع الصحي، ونقص المعدات الطبية، يجعلان رحلة العلاج أكثر قسوة من الإصابة نفسها.

ولا يمكن النظر إلى هذه التشوهات باعتبارها قضية طبية فحسب، بل هي قضية إنسانية واجتماعية؛ إذ يفقد المصاب جزءًا من استقلاليته، وقدرته على العمل، ومشاركته الطبيعية في الحياة، ما يضاعف معاناته ويجعل آثار الحرب مستمرة حتى بعد توقف القتال.

أمراض تتفاقم… وتعافٍ مؤجل

الفقد في غزة

في الظروف الطبيعية، تمثل الإصابة بداية رحلة العلاج، أما في الحروب فإن الإصابة تصبح بداية سلسلة جديدة من المعاناة. فتعطل المستشفيات، ونقص الأدوية، وانقطاع الكهرباء، وتدمير المرافق الصحية، كلها عوامل تجعل الأمراض المزمنة والإصابات البسيطة تهديدًا حقيقيًا للحياة. ويعاني مرضى السرطان والفشل الكلوي والسكري وأمراض القلب من انقطاع متكرر للعلاج، بينما تتزايد معدلات العدوى وسوء التغذية والأمراض الجلدية والتنفسية نتيجة الاكتظاظ، وتلوث المياه، وانهيار خدمات الصرف الصحي.

كما أن الإصابات التي كان يمكن علاجها بسهولة تتحول إلى إعاقات دائمة بسبب تأخر التدخل الطبي، أو عدم توفر المضادات الحيوية، أو غياب الأجهزة اللازمة لإجراء العمليات الجراحية. ويؤكد خبراء الصحة أن التعافي لا يعتمد على العملية الجراحية وحدها، وإنما يحتاج إلى برامج تأهيل نفسي وحركي وغذائي واجتماعي، وهي عناصر أصبحت شبه غائبة في ظل الأزمة الإنسانية المستمرة. ولذلك، فإن كثيرًا من المصابين يعيشون حالة "تعافٍ مؤجل"، حيث يبقون عالقين بين الإصابة وعدم القدرة على استعادة حياتهم الطبيعية.

تشوّه المكان… عندما تصبح المدينة غريبة عن أهلها

الواقع الصحي في غزة
 

لا تصيب الحرب الإنسان وحده، بل تُعيد تشكيل المكان الذي يعيش فيه. فالمدينة التي كانت مليئة بالحياة تتحول إلى مشهد من الركام، وتختفي المعالم التي شكّلت ذاكرة السكان لعقود. إن رؤية البيوت المهدمة، والشوارع المدمرة، والمقابر المنتشرة، وأكوام النفايات، ليست مجرد مشاهد بصرية، بل عوامل تؤثر في الصحة النفسية والشعور بالأمان والانتماء. فالإنسان يبني جزءًا من هويته من خلال المكان الذي يعيش فيه، وعندما يُمحى هذا المكان أو يتغير بصورة جذرية، يشعر وكأنه فقد جزءًا من ذاته.

كما تؤدي تراكمات الأنقاض والنفايات والجثامين غير المنتشلة إلى مخاطر صحية وبيئية كبيرة، من بينها انتشار الحشرات والقوارض، وتلوث المياه الجوفية، وانبعاث الروائح الضارة، ما يزيد احتمالية انتشار الأمراض المعدية. وتتجاوز خسارة المكان حدود المباني؛ إذ يفقد الناس ذكرياتهم المرتبطة بالبيت، والمدرسة، والمسجد، والسوق، والحديقة، لتصبح المدينة نفسها مصدرًا لاستعادة الألم بدلًا من أن تكون مصدرًا للطمأنينة.

التشوه النفسي… الجرح الذي لا يُرى

المستقبل في غزة

ربما يكون الأثر النفسي هو الأكثر استمرارًا بين جميع آثار الحرب، لأنه يبقى حاضرًا حتى بعد التئام الجروح الجسدية. فالخوف المستمر، ومشاهدة القتل، وفقدان الأحبة، والنزوح المتكرر، جميعها تترك آثارًا عميقة في الصحة النفسية. وتظهر هذه الآثار في صورة اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق المزمن، واضطرابات النوم، ونوبات الهلع، والانعزال الاجتماعي، خاصة لدى الأطفال الذين يعيشون سنواتهم الأولى في بيئة يغلب عليها الخوف والحرمان.

وتشير دراسات نفسية أجريت في مناطق النزاعات إلى أن التعرض المستمر للعنف يؤثر في نمو الدماغ لدى الأطفال، ويضعف القدرة على التركيز والتعلم، ويزيد احتمالية ظهور المشكلات السلوكية والانفعالية مستقبلًا. كما يعيش كثير من الآباء والأمهات شعورًا دائمًا بالعجز عن حماية أسرهم، الأمر الذي يضاعف الضغوط النفسية، ويؤثر في العلاقات الأسرية، ويجعل التعافي المجتمعي أكثر تعقيدًا.


اقرأ أيضًا: على أرض غزة.. يعلو الركام ويسقط ضمير العالم


إن الاحتلال لا يخلّف دمارًا عمرانيًا فحسب، بل يُعيد تشكيل الإنسان من الداخل قبل الخارج. فهو يترك أجسادًا مثقلة بالإصابات، ونفوسًا منهكة بالخوف، ومدنًا فقدت ملامحها، وأجيالًا تحمل ذاكرة مثقلة بالمآسي. ولهذا، فإن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على بناء البيوت والمستشفيات والطرق، بل يجب أن تشمل إعادة بناء الإنسان نفسه؛ عبر توفير الرعاية الطبية المتخصصة، والدعم النفسي، وبرامج التأهيل، وإعادة دمج المصابين في المجتمع، وحماية الأطفال من آثار الصدمات الممتدة.

فالحروب تنتهي يومًا، لكن آثارها تبقى ما لم تُواجَه بخطط إنسانية شاملة تعيد للإنسان كرامته، وللمكان روحه، وللمجتمع قدرته على النهوض من جديد. إن أخطر ما تفعله الحروب ليس ما تهدمه في لحظة، بل ما تتركه من ندوب خفية تستمر في تشكيل حاضر الناس ومستقبلهم لسنوات طويلة.