بنفسج

المسن الستيني حسام حرب: ثلث العمر في السجون

السبت 04 يوليو

الأسير المسن حسام حرب
الأسير المسن حسام حرب

عقب حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، شنّت قوات الاحتلال حملة دهم واعتقالات واسعة طالت أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين، وتركّزت بشكل خاص على القيادات والناشطين المؤثّرين في المجتمع. ومن بين هؤلاء برز اسم الشيخ القيادي، الأسير المحرر حسام حرب، ابن محافظة سلفيت، الذي أعيد اعتقاله ضمن هذه الحملة في سياق استهداف واضح للرموز المجتمعية.

في اليوم الثاني من اندلاع الحرب على غزة، اقتحمت قوات الاحتلال منزل الشيخ حسام حرب في قرية اسكاكا شرق سلفيت، واعتقلته، ومنذ ذلك الحين تواصل إصدار أوامر اعتقال إداري متتالية بحقه، دون توجيه تهمة أو تحديد سقف زمني واضح لإنهاء احتجازه. لم يُراعِ الاحتلال كِبر سنّه، الذي قارب السادسة والستين عامًا، فاعتقله وأمعن في تعنّته بالإبقاء على احتجازه لما يزيد عن عامين ونصف، في ظروف تزداد قسوة يومًا بعد يوم، خاصة في ظل السياسات المتشددة التي طالت الأسرى منذ اندلاع الحرب.

20 عامًا متفرقة في السجون

الأسرى

ورغم أن الشيخ حسام أمضى ما يقارب عشرين عامًا متفرقة في سجون الاحتلال، معظمها تحت نظام الاعتقال الإداري، إلا أن هذا الاعتقال يُعدّ الأصعب على عائلته، وفق ما تؤكده زوجته أم حسان، التي تشير إلى حجم المعاناة غير المسبوقة التي يعيشها الأسرى اليوم، من قمع ممنهج، وتجويع متعمّد، وعزل شبه كامل عن العالم الخارجي، في ظروف تصفها بأنها أقرب إلى “قبور موصدة” يلفها الظلم والقهر والإذلال.

قضى الشيخ حسام ما يقارب ثلث عمره متنقّلًا بين السجون، مغيّبًا عن عائلته، التي افتقدته في تفاصيل الحياة اليومية، وفي المناسبات، وفي دفء لمّة العائلة التي غاب عنها قسرًا لسنوات طويلة. تقول أم حسان: “بدنا نكمل ٣٥ سنة زواج، ١٥ سنة منهن كان في السجن، حرمنا منه الاحتلال ونغّص حياتنا، لكن عزيمتنا ما لانت، وصبرنا ثابت إن شاء الله، كله بأجره، والشيخ قدها، بس عمره ما عاد يسمحله بالاعتقال والتنكيل، خاصة في هاي الظروف السيئة اللي بعيشها الأسرى”.


اقرأ أيضًا: شهيد يشيع شهيدًا.. هكذا تبدو الحياة في الضفة المحتلة


وتبدي الزوجة قلقًا بالغًا على الوضع الصحي لزوجها، الذي يعاني سابقًا من أزمة صدرية، إلى جانب إصابته بمرض “السكابيوس” (الجرب)، وهو مرض جلدي معدٍ يسبب حكة شديدة والتهابات جلدية، وينتشر بسرعة بين الأسرى نتيجة الاكتظاظ وسوء التهوية وقلة النظافة داخل السجون، في مشهد يعكس مستوى الإهمال والمعاناة التي يتعرض لها الأسرى.

"الشيخ  قدها بس العمر صعب"

أبناء الأسرى

ويزيد من قلق العائلة شحّ الأخبار الواردة عن الشيخ، في ظل منع الاحتلال زيارات الأسرى وكذلك المحامين، ما يضاعف حالة الغموض حول مصيره ووضعه الصحي، ويترك العائلة في حالة ترقّب دائم وقلق مستمر.

يُعدّ الشيخ حسام حرب من رجالات الإصلاح في محافظة سلفيت، وهو من مؤسسي حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في المحافظة، قبل أن ينشط ضمن جماعة الإخوان المسلمين. وكان اعتقاله الأول مطلع عام 1991، لتتوالى بعد ذلك سنوات طويلة من الاعتقال على فترات متقطعة، حتى بات الاعتقال جزءًا متكررًا من حياته، حيث لم تكد تمر سنة دون أن يُعاد اعتقاله.


اقرأ أيضًا: عائلة الأسيرين بكر وجهاد خريوش: ألم كجمرة لا تهدأ


لم يهدأ لسان زوجته عن الدعاء، إذ تواصل التضرّع إلى الله بالإفراج عنه وعن جميع الأسرى، راجية الفرج القريب، وتخفيف معاناتهم، وتثبيت قلوبهم على ما يواجهونه من ظلم وقهر، مؤكدة أن ما يجري داخل السجون يفوق الوصف، ولا يعلمه إلا الله. كما تطالب الجهات المسؤولة بالتحرك العاجل للجم الانتهاكات الجسيمة التي تُرتكب بحق آلاف الأسرى، دون أي اعتبار لأعمارهم أو أوضاعهم الصحية.

وفي سياق متصل، عبّرت أم حسان عن استنكارها الشديد لما يُعرف بـ”قانون إعدام الأسرى”، الذي أقره الكنيست في 30 مارس/آذار الماضي، بأغلبية 62 نائبًا مقابل معارضة 48 وامتناع نائب واحد، معتبرة أن ما يجري داخل السجون هو أصلًا “إعدام بطيء”، في ظل ما يتعرض له الأسرى من ظروف قاسية. وتقول في هذا السياق: “هذا قانون جائر، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللي بصير داخل السجون هو إعدام بطيء أصلًا، وكلنا يقين بفرج الله، وبنطالب كل جهة تتحمل مسؤولياتها وتشتغل على إلغاء القرار وعدم تطبيقه”.

الأب والابن قيد الاعتقال

الاعتقالات الإدارية

كما استنكرت قطع راتب زوجها، الذي كان يشكّل مصدر الدخل الوحيد للعائلة، حيث تفاجأت عند موعد استلامه بعدم توفره، لتُبلّغ بأنه قد تم قطعه، ما ضاعف من الأعباء المعيشية عليها، شأنها شأن مئات زوجات الأسرى اللواتي يواجهن ظروفًا اقتصادية صعبة، إلى جانب الأعباء النفسية والاجتماعية.

ولا تقف معاناة العائلة عند هذا الحد، إذ اعتقل الاحتلال أيضًا نجلها زيد، أحد أبنائها السبعة، أثناء عودته من العمل على حاجز عين سينيا شمال رام الله، خلال شهر رمضان الماضي، وصدر بحقه أمر اعتقال إداري لمدة ستة أشهر. ولا تعلم العائلة عن زيد سوى أنه محتجز في سجن “عوفر”، وهو أسير محرر سبق أن تعرض للاعتقال، ما يزيد من مخاوف والدته عليه، التي تنتظر أي خبر عنه على أحرّ من الجمر.

ووفق معطيات مؤسسات الأسرى، فقد بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين حتى بداية شهر نيسان/أبريل من العام الحالي أكثر من 9600 أسير، من بينهم نحو 3532 أسيرًا يخضعون للاعتقال الإداري، وهي النسبة الأعلى بين فئات الأسرى. ويُعرّف الاعتقال الإداري بأنه احتجاز دون تهمة أو محاكمة، يستند إلى ملف سري لا يمكن للأسير أو محاميه الاطلاع عليه، وتستند هذه السياسة إلى المادة (111) من أنظمة الدفاع لحالة الطوارئ التي فرضتها سلطات الانتداب البريطانية عام 1945، والتي لا تزال تُستخدم حتى اليوم بشكل متصاعد منذ احتلال عام 1967.

وهكذا، يبقى الاعتقال الإداري سيفًا مسلطًا على رقاب آلاف الأسرى الفلسطينيين، يهدد حريتهم، ويصادر مستقبلهم، ويحوّل حياتهم إلى حالة من الانتظار المفتوح دون أفق، في ظل غياب العدالة وانعدام الضمانات القانونية.