في الساعة الثانية فجرًا، رنّ الهاتف في منزلٍ يتكوّن من ثلاثة طوابق في مدينة قلقيلية؛ تقطنه أسرة معزوز دلال، إلى جانب أسرة والده وأسرة أخيه. كان ذلك الاتصال مرعبًا، كعادة الاتصالات التي تأتي في جوف الليل، إذ غالبًا لا تحمل سوى أخبار الفقد والفواجع. كانت قد مضت ثلاثة أيام على استشهاد الأسير الفلسطيني معزوز دلال داخل سجون الاحتلال، قبل أن يصل ذلك الاتصال الذي تلقّته العائلة بصمتٍ مفاجئ، وارتجافٍ في القلوب، ووجوه تحاول أن تخفي ما لا يمكن إخفاؤه.
في سيرة الشهيد معزوز دلال

طُلب منهم التوجه لاستلام جثمانه من مستشفى “أساف هروفيه”، مع اشتراط دفنه بسرعة ومن دون أي مظاهر تشييع جماهيرية. تستعيد زوجته تلك اللحظات وكأن الزمن توقف عندها، وتقول: “أحضروه إلى البيت أولًا. دخل إلينا للمرة الأخيرة، لكن هذه المرة لم يكن سائرًا على قدميه كما اعتدنا، بل محمولًا فوق الأكتاف”.
تصمت قليلًا، ثم تتنهد قبل أن تكمل: “وقفنا حوله نودعه. نقلت نظري بين أبنائي الصغار والرجل الذي قضيت معه ست سنوات من العمر، وكأن حياة كاملة تنتهي أمامي في تلك اللحظة”. في ذلك اليوم، لم تكن زوجة الشهيد قد تجاوزت السادسة والعشرين من عمرها.
بدأت الحكاية قبل ذلك بسنوات، حين كان معزوز شابًا يدرس في معهد قلنديا، وكانت غادة طالبة في جامعة النجاح الوطنية. في السادس عشر من كانون الأول عام 1988، تزوج معزوز دلال من غادة. كان في الحادية والعشرين من عمره، وكانت هي في العشرين.
تقول غادة: “كنا في مقتبل العمر.. نحلم كأي زوجين بحياة هادئة وهانئة، وأسرة صغيرة، ومستقبل جميل”. لكن الأقدار كتبت مسارًا مختلفًا؛ فالبلاد كانت تعيش أحداث الانتفاضة الأولى، وحياة الفلسطينيين تتشكل بين المطاردة والاعتقال والحواجز. لم يكن معزوز كثير الحديث عن نفسه، ولا ممن يروون تفاصيل نشاطهم للآخرين.
عاد بالكفن

وتتابع زوجته: “كنت أعرف عن نشاطه الدعوي ومشاركته في المظاهرات والفعاليات الشعبية، لكن هذا لم يكن كل شيء. بعد استشهاده تحديدًا، اكتشفت أن الرجل الذي عشت معه تلك السنوات كان يخفي جانبًا كاملًا من حياته. حين نعته المقاومة، عرفت للمرة الأولى أنه كان أحد كوادر كتائب القسام. لم يخبرني بذلك أبدًا. كان يرى أن بعض الأمور يجب أن تبقى في دائرة الأمان والكتمان”.
لم يكن الاحتلال يعتقل معزوز وحده، ففي كل مرة كان الاعتقال يصل إلى العائلة بطريقة أخرى. اعتُقل معزوز مرات عدة؛ منها عشرة أشهر، وأربعة أشهر إداريًا، وفي اعتقاله الأخير أمضى ستة أشهر إداريًا. وخلال تلك السنوات، تحولت الاقتحامات الليلية إلى جزء من روتين الأسرة.
اقرأ أيضًا: "متى بابا مروح؟".. زوجات الأسرى في مواجهة الأسئلة
تقول زوجته: “كنا ننام كل ليلة دون أن نعرف إن كنا سنستيقظ لصلاة الفجر بشكل طبيعي، أم على صوت جنود الاحتلال وهم يكسرون الباب. كانوا يقتحمون المنزل ويقلبونه رأسًا على عقب ويفتشون كل شيء.. وحتى حين كان معزوز معتقلًا داخل سجونهم، لم تتوقف المداهمات والتفتيش والعبث بمحتويات البيت”.
في اعتقاله الأخير عام 1994، بدأت صحة معزوز بالتراجع، خاصة بعد إصابة ركبته، ما جعله يعتمد على عكاز أثناء المشي. كما كان بحاجة إلى العلاج خارج فلسطين، لكنه مُنع من السفر. تقول زوجته: “في الزيارات بدأت ألاحظ تدهورًا في حالته. لم يعد الرجل الذي أراه خلف زجاج الزيارة هو ذاته الذي اعتُقل من بيتي قبل أشهر.
حقنة مجهولة قاتلة

كرر في أكثر من زيارة حديثه عن حقنة أُعطيَت له داخل السجن، ولم يكن يعرف ما تحتويه. ولم يجد تفسيرًا لما حدث لجسده بعدها، ولم نملك نحن سوى القلق والأسئلة التي بقيت معلقة بلا إجابات حتى اليوم”. ثم جاء الخبر الذي لم تكن مستعدة لسماعه. في الثامن من نيسان عام 1995، رحل الزوج الغائب أسيرًا داخل سجون الاحتلال.
استشهد معزوز، بينما كان أكبر أبنائه، مصعب، لا يزال في الروضة، أما مهتدي فلم يكن قد تجاوز عامه الثاني، وكان مهند رضيعًا في عامه الأول. تقول والدتهم: “مصعب يتذكر بعض المواقف البسيطة من زيارات السجن، أما مهتدي ومهند فلا يتذكران والدهما إطلاقًا”. غاب الأب مبكرًا، لكنه بقي حاضرًا في البيت؛ في الأعياد، وأول يوم دراسي، وحفلات التخرج، والمناسبات العائلية، وفي النجاحات الصغيرة والكبيرة.
اقرأ أيضًا: الأسير فتحي الخطيب: مسن قضى 24 عامًا في السجون ولا يزال
وتضيف: “كنا نتحدث عنه باستمرار. لم أرد لأبنائي أن يعرفوا والدهم على أنه مجرد صورة محفوظة في ألبوم، بل كنت أحكي لهم عن أخلاقه وطباعه ومواقفه، وعن الرجل الذي أحب الناس دون أن ينتظر منهم شيئًا”. وتقول إن أكثر ما يؤلمها اليوم أنها لم تعرف حجم الخير الذي كان يفعله إلا بعد استشهاده.
فقد كان يفعل الخير بصمت لافت؛ وبعد رحيله بدأ الناس يروون لها قصصًا لم تسمعها من قبل: تبرعه بالدم للمرضى، مساعدته لعائلات الأسرى، وقوفه إلى جانب المحتاجين، ومبادراته التي لم يكن يخبر بها أحدًا. وتؤكد: “حتى أنا، زوجته، لم أكن أعرف كثيرًا عن هذه الأمور. كان طيب القلب بصورة استثنائية، لا يسيء الظن بأحد، ويردد دومًا: التمس لأخيك سبعين عذرًا”.
إرث الاعتقال

لم يتوقف حضور السجن في حياة العائلة بعد استشهاد الأب. فقد اعتُقل ابناه مصعب ومهتدي مرتين، وقضيا فترات طويلة داخل سجون الاحتلال، وكأن قدر العائلة أن تبقى على تماس دائم مع التجربة ذاتها التي عاشها الأب. ورغم كل الذكريات، تبقى هناك لحظة صغيرة لا تغيب عن ذهنها. كانت تعلم أن زوجها يتمنى الشهادة، وذات مرة سألته مازحة: “إذا كنت تتمنى الشهادة إلى هذا الحد، فلماذا تزوجت؟”
وتضحك وهي تستعيد إجابته بعد أكثر من ثلاثين عامًا: “قال لي: لأن أجر الشهيد المتزوج أعظم من أجر الشهيد الأعزب”. لم تكن تعلم أن تلك المزحة ستتحول يومًا إلى واحدة من آخر الذكريات التي ستحتفظ بها. لم يكن فقدان الزوج في السادسة والعشرين أمرًا سهلًا، لكن زوجته تقول إن الله منحها ما هو أعظم من القوة: اليقين.
اقرأ أيضًا: يا أبي الأسير.. كبرت وما زالت طفلتك تنتظر حضنك الأول
“بكيت وتألمت مثل أي إنسان، لكن الله ألقى في قلبي الرضا والتسليم”. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت عبارة واحدة ترافقها في كل منعطف من حياتها: “لو اطّلعتم على الغيب لاخترتم الواقع”. تقولها وهي تنظر إلى أبنائها الذين كبروا، وإلى رحلة طويلة من المسؤولية خاضتها وحدها، ثم تضيف: “كنت أتمنى أن يبقى معنا، لكن الله اختار له الشهادة واختار لنا شيئًا آخر، واليوم أحمد الله على كل ما كتب لنا”.
بعد أكثر من ثلاثة عقود، ما يزال معزوز دلال غائبًا عن البيت جسدًا، لكنه حاضر في ذاكرة زوجته وأبنائه كما لو أنه غادر بالأمس. فبعض الناس لا يُقاس عمرهم بعدد السنوات التي عاشوها، بل بالأثر الذي تركوه خلفهم. ومعزوز، كما تقول زوجته، واحد من أولئك الذين رحلوا مبكرًا، لكنهم لم يغادروا القلوب يومًا.

