بنفسج

ملامح تحمل وجه الحرب

السبت 01 اغسطس

وجوه شوهها الاحتلال
وجوه شوهها الاحتلال

لم تعد آثار الحروب الحديثة تُقاس بعدد الضحايا أو حجم الدمار المادي فحسب، بل باتت تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى الإنسان ذاته بوصفه الهدف النهائي للتعذيب وترك الندب والآثار التي تحفر في الأعماق. فالإصابات التي تُخلّف إعاقات دائمة وتشوهات جسدية ليست مجرد نتائج جانبية للعمليات العسكرية، وإنما تتحول إلى أدوات تُنتج معاناة ممتدة تتجاوز زمن القصف إلى سنوات طويلة من الألم النفسي والاجتماعي والاقتصادي.

وفي الحالة الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة، برزت خلال الحرب الأخيرة مئات الوجوه التي أصبحت شاهدة على هذا النمط من العقاب طويل الأمد، حيث لم تقتصر الخسارة على النجاة من الموت، بل امتدت إلى فقدان ملامح الوجه أو العين أو الأطراف أو القدرة على ممارسة الحياة بصورة طبيعية.

تكشف الصور المعروضة في حملة "ملامح تحمل وجع الحرب" نماذج إنسانية مختلفة تجمعها تجربة واحدة؛ وهي أن النجاة من القصف لم تعنِ نهاية المعاناة، بل بداية حياة جديدة محكومة بإصابات دائمة سترافق أصحابها مدى العمر. وتبرز هذه الحالات بوصفها مدخلًا لتحليل إحدى أخطر نتائج استخدام القوة العسكرية ضد المدنيين، وهي إنتاج الإعاقة والتشوه كأثر مستمر للألة الصهيونية العسكرية. 

إصابات الأطفال: سيلا حوسو نموذجًا

سيلا حوسو

تُظهر حالة الطفلة سيلا حوسو هذا المعنى بوضوح. فقبل الحرب كانت طفلة تحمل شهادتها المدرسية وتبتسم للكاميرا، شأنها شأن آلاف الأطفال الذين ترتبط أحلامهم بالمدرسة والتعليم. لكن استهداف المدرسة التي كانت تتحدث مع والدها عن الذهاب إليها أدى إلى إصابتها إصابة بالغة تمثلت في تشوه شديد في الوجه، وكسر في الجمجمة، وتمزق في شبكية العين. هذه الإصابات لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد حدث طبي؛ إذ تشير الأدبيات النفسية إلى أن إصابات الوجه عند الأطفال تُعد من أكثر الإصابات تأثيرًا في تكوين الهوية الذاتية والصورة الجسدية والثقة بالنفس، فضلًا عن انعكاسها على الاندماج الاجتماعي ومستقبل الطفل التعليمي والنفسي.

الأم نجوى أبو عطيوي

نجوان أبو عطيوي

ولا تختلف قصة نجوى أبو عطيوي كثيرًا من حيث الدلالة، وإن اختلفت في تفاصيلها. فالأم التي كانت تعيش حياة طبيعية مع أطفالها أصيبت بعد قصف منزلها، لتفقد طفلتها وإحدى عينيها، ويصاب وجهها بتشوهات دائمة. اللافت في شهادتها ليس وصف الألم الجسدي فحسب، وإنما عبارتها: "أولادي يخافوا مني"، وهي جملة تختصر أحد أكثر الآثار قسوة للتشوهات الحربية؛ إذ يتحول الوجه، الذي يمثل أهم وسائل التواصل الإنساني، إلى مصدر خوف حتى لدى الأبناء. وتؤكد دراسات علم النفس الإكلينيكي أن إصابات الوجه ترتبط بمعدلات مرتفعة من اضطرابات ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، وفقدان تقدير الذات، خصوصًا عندما تترافق مع فقدان أحد أفراد الأسرة.

مجاهد بني مفلح

مجاهد بني مفلح

وتتكرر الصورة نفسها في وجوه أخرى تظهر في الحملة؛ طفل يحمل آثار الحروق على وجهه، وامرأة أخرى أصيبت بتشوهات واضحة، ورجل تركت الإصابات آثارًا دائمة في ملامحه كمجاهد بني مفلح. وعلى الرغم من اختلاف القصص الفردية، فإن الجامع بينها هو أن الوجه الإنساني أصبح ساحةً ظاهرة للعنف، وأن آثار الحرب لم تعد مخفية داخل الجسد، بل باتت مرئية في كل لقاء اجتماعي، وفي كل مرة يقف فيها المصاب أمام المرآة.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، لا يُنظر إلى هذه الإصابات بوصفها أحداثًا فردية، بل باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع من الضغوط الواقعة على المجتمع المدني في المجتمعات المستعمرة. فالإصابة الدائمة لا تقتصر آثارها على الفرد، وإنما تمتد إلى الأسرة التي تتحمل أعباء الرعاية، وإلى النظام الصحي الذي يواجه احتياجات علاجية وتأهيلية معقدة، وإلى المجتمع الذي يفقد جزءًا من طاقته البشرية والإنتاجية. وهكذا تتحول الإصابة إلى عبء متعدد المستويات، يطال الفرد والأسرة والمجتمع في آن واحد.

ضحى الصيفي

ضحى الصيفي

وتزداد خطورة هذه النتائج في قطاع غزة نتيجة التحديات الكبيرة التي يواجهها القطاع الصحي. فالتشوهات الشديدة، ولا سيما إصابات الوجه والعينين والحروق، تحتاج عادة إلى جراحات ترميمية متعددة، وتأهيل نفسي طويل الأمد، وعلاج وظيفي مستمر، وهي خدمات تتطلب إمكانات طبية متخصصة قد يكون الوصول إليها محدودًا في ظروف النزاع واستمرار الضغوط على النظام الصحي، فالمصابة ضحى الصيفي اضطرت للسفر للعلاج خارج غزة لانهيار النظام الطبي.

أحمد دوابشة

أحمد دوابشة

كما تشير الدراسات النفسية إلى أن الأطفال المصابين بتشوهات جسدية يصبحون أكثر عرضة للعزلة الاجتماعية والتنمر واضطرابات القلق والاكتئاب، بينما يعاني البالغون من صعوبات في العودة إلى العمل، وتراجع جودة الحياة، واضطراب العلاقات الأسرية. وفي هذا السياق، لا يقتصر أثر الحرب على لحظة الانفجار، بل يمتد ليشكّل تجربة يومية يعيشها المصاب في كل تفاعل اجتماعي، وفي كل محاولة للاندماج في الحياة الطبيعية.

وتكشف هذه الحالات أيضًا عن مفهوم "العنف الممتد" وحالة أحمد دوابشة نموذجًا، وهو ذلك النوع من العنف الذي لا ينتهي بانتهاء الاحتلال، بل يستمر عبر آثاره الصحية والنفسية والاجتماعية. فالحرب، في هذه الحالة، لا تقتل الإنسان فقط، وإنما قد تعيد تشكيل حياته بالكامل، بحيث يصبح الألم جزءًا دائمًا من هويته الشخصية والاجتماعية.

إسراء جعابيص

إسراء جعابيص

ومن الناحية الإنسانية، فإن وجوه هؤلاء المصابين تمثل وثائق حية على كلفة الحرب التي لا تُقاس بالأرقام وحدها. فكل ندبة تحمل قصة، وكل إصابة تختزن تجربة فقد، وكل وجه مشوه يعكس مسارًا طويلًا من العلاج والتكيف ومحاولة استعادة الحياة. ولذلك فإن التعامل مع هذه الحالات لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الطبي، بل يستلزم برامج متكاملة تشمل الدعم النفسي، وإعادة التأهيل والدمج المجتمعي والحماية الاجتماعية، بما يضمن استعادة أكبر قدر ممكن من جودة الحياة والكرامة الإنسانية.

وفي المحصلة، فإن قصص سيلا حوسو، ونجوى أبو عطيوي، وإسراء الجعابيص وضحى الصيفي ومجاهد بني مفلح، وغيرهما من الوجوه التي وثقتها الحملة، تتجاوز حدود السرد الإنساني الفردي لتطرح قضية أوسع تتعلق بالآثار الممتدة للحرب والاعتدا ءوالتنكيل. فهذه الوجوه لا تمثل إصابات شخصية فحسب، بل تعكس واقعًا إنسانيًا معقدًا تصبح فيه التشوهات والإعاقات إحدى أكثر النتائج استدامة للحرب، بما تحمله من تبعات نفسية واجتماعية وصحية واقتصادية تستمر سنوات طويلة بعد توقف القصف.