ليست كل الخسارات تبدأ حين يُصاب الجسد بالمرض، أو حين تسقط القذيفة؛ فبعض الخسارات تبدأ في اللحظة التي يغيب فيها الشخص الذي كان يجعل الحياة ممكنة. فهناك من يترك وراءه حزنًا، وهناك من يترك فراغًا يمتد إلى السرير الذي يختفي، والدواء الذي ينقطع، والجامعة التي تُترك، والبيت الذي يتحول إلى خيمة. هكذا تصف قصة مريم يوسف عبد ربه (23 عامًا)، التي لم يغيّر استشهاد والدها عدد أفراد أسرتها فقط، بل غيّر الطريقة التي تعيش بها كل يوم من حياتها.
حين أضحيت يتيمة

في عام 2020، شُخّصت مريم بسرطان العظام، وانتهى بها المرض إلى بتر قدمها اليسرى. ورغم قسوة التجربة، فإن والدها لم يسمح لها يومًا بأن تشعر أنها تخوضها وحدها. تقول مريم: “بعد أن فقدت قدمي، كان أبي هو العكاز الذي أستند إليه، حيث كان يرافقني في كل رحلة علاج، ويسافر معي لإجراء الفحوص، ويوصلني إلى الجامعة، ويحرص على أن تكون غرفتي مناسبة لحالتي الصحية”.
كانت مريم تدرس العلاج النفسي الإكلينيكي، وتحلم بأن تصبح أخصائية تساعد الآخرين على تجاوز صدماتهم. أما والدها، المعيل الوحيد للأسرة، فكان يرى في تعليمها جزءًا من رحلة تعافيها، لذلك لم يتوقف يومًا عن دعمها، رغم الظروف المعيشية الصعبة. ولأن سرطان العظام يحتاج إلى ظروف صحية خاصة، وفر لها سريرًا طبيًا، واهتم بوجود وسائل تهوية داخل غرفتها، حتى لا تزيد الحرارة من آلامها. تقول: “كان يحاول أن يجعل المرض أخف مما هو عليه”.
رصاصة الغياب

مع اندلاع الحرب، نزحت الأسرة المكونة من الأب والأم وخمس بنات وطفل في التاسعة من عمره. ورغم ضيق الحال، رفض الأب أن تعيش عائلته داخل خيمة، فاستأجر لهم مكانًا يحميهم من برد الشتاء. وفي السابع من كانون الأول/ديسمبر 2024، خرج إلى منزلهم في جباليا ليحضر ملابس شتوية لبناته، فلم يعد؛ إذ استهدفته رصاصة قناص، واستشهد في المكان.
تقول مريم: “يوم استشهد أبي شعرت أنني فقدت العكاز الذي كنت أستند إليه، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت الشخص الذي كان يحمل عني المرض والحياة معًا”. برحيله انقطع راتب الأسرة، ولم تعد قادرة على دفع إيجار المكان الذي كانت تقيم فيه، فانتقلت إلى خيمة في مخيم للأيتام.
لم تكن الخيمة مجرد مكان جديد للسكن، بل واقعًا لا يحتمل جسد مريم تبعاته. فداخل الخيمة لم يعد هناك سرير طبي يخفف الضغط عن عظامها، بل أرض قاسية تضاعف الألم الذي خلّفه السرطان. أما الحرارة، فأصبحت خصمًا يوميًا، إذ ترتفع إلى حد يجعل النوم مستحيلًا في كثير من الليالي، فيما ينعكس الحر مباشرة على عظامها وأعصابها، فتزداد آلامها حدة.
من بيت إلى خيمة

تقول مريم: “لا أستطيع النوم كبقية الناس، أنتظر حتى آخر الليل عندما تبرد الخيمة قليلًا، وأحيانًا أخرج إلى الشارع لأن الألم يصبح أقوى من أن أحتمله”. بعد الحرب، توقفت أيضًا رحلاتها العلاجية إلى الضفة الغربية، حيث كانت تجري فحوصها الدورية كل ستة أشهر، بسبب تعذر السفر. كما اختفت المسكنات التي كانت تعتمد عليها، وأصبحت عاجزة حتى عن توفير عكازين جديدين يساعدانها على الحركة، في ظل النقص الحاد الذي تعيشه غزة.
تقول مريم: “كل شيء توقف دفعة واحدة؛ العلاج، والفحوص، وحتى الأشياء البسيطة التي كنت أحتاجها لأتحرك، كنت أدرس العلاج النفسي الإكلينيكي، لكن بعد استشهاد أبي لم أعد قادرة على إكمال دراستي، حالتي النفسية لم تعد كما كانت، ولم تعد لدينا الإمكانات التي تساعدني على الاستمرار”.
أمنيات عادية

إلى جانبها، تحاول والدتها، التي تعاني من الربو، إعالة الأسرة وحدها؛ فتقف في طوابير التكايا، وتجلب المياه، وتدبر احتياجات أبنائها، بينما كانت هذه المسؤوليات كلها تقع على عاتق الأب قبل استشهاده. وتقول: “أمي مريضة، لكنها تحاول أن تقوم بكل شيء، أبي كان يحمل عنّا هذا الحمل كله”.
اليوم لا تخشى مريم السرطان بقدر ما تخشى أن تفقد من تبقى من عائلتها، وعلى رأسهم والدتها، التي أصبحت السند الأخير للأسرة. أحلامها لم تعد كبيرة؛ تتمنى أن تستعيد حقها في العلاج، وأن تنام على فرشة طبية تخفف عنها الألم، وأن تجد عكازًا يساعدها على الحركة، وأن تنجو أمها من المرض والحرب معًا.
في غزة، لا تقتل الحرب الناس حين تسقط القذائف فقط، أحيانًا تبدأ الخسارة الحقيقية بعد ذلك، حين يغيب الشخص الذي كان يحمل الحياة على كتفيه، ويكتشف من بقي أن ما فقده لم يكن إنسانًا واحدًا، بل العالم الذي كان يصنعه له كل يوم.

