بنفسج

مقاتلو رفح: مؤمن الجمل.. مقاتل الأنفاق

الأربعاء 06 مايو

الأسير مؤمن الجمل مقاتل رفح
الأسير مؤمن الجمل مقاتل رفح

"الحق، أخوك مؤمن اعتُقل في رفح على يد ميليشيا أبو شباب".. ارتجفت وأنا أفتح هاتفي، كأن أصابعي لم تعد تعرف كيف تلامس الشاشة  كان في داخلي خوف مبهم، شيء يخبرني أن اللحظة التي أخشاها قد جاءت، وما إن بدأ الفيديو حتى شعرت بأن الأرض تميد بي.

رأيته، نعم، هذا مؤمن، لكنه لم يكن كما أعرفه، تغير شكله، انطفأت ملامحه، وبدا التعب محفورًا في وجهه، كان الضرب واضحًا وقاسيًا، جسده يئن، ووجهه يحاول أن يبقى متماسكًا، كانوا ينقلونه ماذا يقول بالفيديو المصور، بينما كانت يداه تقولان شيئًا آخر. كان يشير بعكس ما يُقال، كأنما يحاول أن يرسل لنا رسالة خفية وسط الجنون الذي يحدث به.

غيابه جمرة في القلب

مقاتلو رفح

أعدتُ المشهد مرارًا، أفتش في تفاصيله كمن يبحث عن دليل نجاة  تمعنت في بشرته، فبدت أكثر اسمرارًا من رفاقه المعتقلين في الميدان، كأن الشمس والحصار والجوع صبغوه بلون أعمق. 

لملمت نفسي سريعًا وقررت أن أذهب إلى أهلي قبل أن يسبقني أحد بالخبر، لم أُرد لهم أن يشاهدوا ما شاهدت، وقفت أمام أمي كطفل تتعثر الكلمات في فمه، ثم جمعت شجاعتي وقلت: "ادعي لمؤمن يما". نظرت إليّ بعينين ستفيضان من الدمع الآن، وقالت:"يا حبيبي يما… والله ما توقعت يصير أسير.. بس شو بدي احكي اللهم لك الحمد".

كانت شقيقتي تسنيم تجلس إلى جوار أمي، فقالت بقلق ظاهر: "وجوزي رائد وين؟ ما كان يفارق مؤمن أبدًا". لم أكن أملك جوابًا يطمئنها، ولا كلمة أعلق بها هذا الخوف المعلق في الهواء، بقي السؤال معلقًا بيننا، لغزًا صامتًا لا يملك حله إلا مؤمن نفسه. جاء والدي وقفت أمامه لا أجرؤ على النظر في عينيه، أخاف أن أرى دمعة، ليقول بثبات: "اللهم لك الحمد حتى ترضى". صرت أقول لعائلتي: "هو من اختار هذا الدرب ويا لفخرنا به".

أذكر مؤمن خلال الحرب، كان هو سندنا المتين، نزحنا تسع مرات، وكان هو من يحمل ويجلب وينقل، لا يشتكي ولا يتأخر، ضاع هاتفه يومًا، فقلت له: سأشتري لك "آيفون" حين تنتهي الحرب، أردت أن أعوضه عن شيء بسيط أمام ما تحمّله. لكنه كان دائم الانشغال، يعود إلى البيت المهدم ليستخرج ما تبقى من أغراضنا، كأنّه يحاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه من ذاكرتنا.

"بس ما ياخدوه أسير"

مؤمن الجمل

كان لقاؤنا الأخير في المواصي بخانيونس، فلم يعد لنا بيت، فاجتمعنا هناك، دعوت أهلي جميعًا وأخواتي، ولم أكن أعلم أن ذلك اللقاء سيكون الوداع الأخير قبل خمسة أيام من عودة الحرب، كان مؤمن كما هو، يحب أن يستفزّ الصغار ويمزح معهم. قال له زوج أختي يومها إنه يريد الذهاب إلى رفح، فرد مؤمن ضاحكًا بأنه سيسبقه.

كان جسده ما يزال ضعيفًا، يعالج أسنانه ويركب التلبيسات بعد ما تحطّم منها، في قصف منزلنا الذي استشهد به شقيقنا محمد، كنا نظنّه يمزح حين يكرر: "بظي أروح رفح". لم نأخذ كلامه على محمل الجد. حين اشتدت الحرب، وقبل إغلاق رفح بأربعة أيام، كان كثير الانشغال، يخرج ويعود دون أن نفهم ماذا يدبر، في أحد الأيام قلت له إنني وجدت مكانًا وسننتقل معًا، لكنه اختفى فجأة، بحثنا عنه، ثم وجدنا رسالته: "ادعوا لي وسامحوني… أنا بحبكم"..

وكان قد ذهب إلى رفح، لم نتوقع أن يذهب وهو لم يتعافَ تمامًا، لم ينه تركيب أسنانه المكسورة، كان يتألم بعد من الإصابة، ظل السؤال يلاحقني: كيف ذهب؟ ولماذا؟ وهل كانت بنيته الجسدية تحتمل؟ كان مصابًا، ومع ذلك قلت لعائلتي: "مش أحسن من الشباب… الله يقويك وترجع بالسلامة". 

وفي خضم الحرب، كنا نتشبث بأي خبر،  إذا قيل شهيد نرتجف، كنا نتابع فيديوهات المقاومة من رفح، ننتبع أسماء الشهداء، فكنا نقول: حي يرزق. إلى أن جاءت الصدمة باعتقاله، كانت والدتي تقول: "يارب ما يصير أسير والله صعبة".

عندما اشتد عليهم الحصار، عشنا أيامًا من الرعب الخالص، قيل إن شبابًا قد حوصروا، وكان خوفنا منصبًّا على اثنين تحديدًا: زوج أختي، وأخي… كانا هناك، وقد اختارا الطريق بإرادتهما، ولم نكن نملك شيئًا نفعله سوى الانتظار والدعاء. ثم نُشرت صورة لأربعة معتقلين من الخلف، في العشرين من نوفمبر، تجمد الدم في عروقي ونحن نحاول أن نتعرّف إلى هيئةٍ أو ظلّ. كنّا ندقق في التفاصيل الصغيرة، نبحث عنهم، ونرتعب مع كل خبر وصورة.

أسير وشهيد

أسرى غزة

نعم عرفنا مصير مؤمن، وبعد اعتقاله، أعلن الجاسوس غسان الدهيني إعدام الأربعة، ارتعبت، تابعت المواقع العبرية فلم أجد خبرًا كهذا، سرعان ما انتشرت الأخبار بتسليمهم للجيش الإسرائيلي، لنعرف لاحقًا أن مؤمن في سجن عسقلان، وأخبرني المحامي محمد جبارين أنه له محكمة، وما قاله مؤمن أن زوج أخته رائد استشهد في رفح. 

الآن مؤمن في السجن ولا نعلم مصيره، جسده ضعيف لا يحتمل، أتذكره دومًا لقد كان مؤمن صديقًا لي وليس أخًا فحسب، كان روحًا تسندني، وابتسامةً تحفظ توازن البيت كلما اختل،  بعد استشهاد أخي محمد تغير كل شيء، غاب السند الكبير، وغاب الحكيم الذي كنا نلوذ برأيه ونركض نحوه، ومنذ تلك اللحظة، بدا مؤمن وكأنه يحاول أن يملأ فراغًا أكبر من عمره، وأن يحمل ما لا يُحمل.


اقرأ أيضًا: صناعة الذاكرة: لماذا علينا أن لا ننسى الإبادة؟


بعد استشهاد محمد، صار الخوف يسكنه، خوف الفقد المتكرر، وخوف أن يخسر أحدًا آخر، ومع ذلك، نما في داخله شعور آخر أشد حضورًا، شعور بالواجب، كان يرى أن البقاء متفرجًا نوع من العجز الذي لا يطيقه، وحين قال: ألسنا كغيرنا من الشباب؟ أدركت أن الأمر عنده لم يكن اندفاعًا أعمى، بل إحساسًا بالكرامة والمسؤولية، حتى لو كان جسده واهنًا لم يكتمل شفاؤه بعد.

رحل محمد شهيدًا، ومضى مؤمن إلى الأسر، وبقيت أنا في المنتصف أحمل الغيابين معًا، كان محمد السند الذي أستند إليه كلما ضاقت بي الدنيا، وكان مؤمن الرفيق الذي يخفف ثقل الأيام بابتسامته، وحين غابا، شعرت كأن الجدارين اللذين يحميان قلبي قد انهارا دفعة واحدة. 

أتمنى أن يخرج مؤمن قريبًا ليكمل دراسته الجامعية، التي لم تسنح له فرصة إنهاؤها بسبب الحرب، كان حلمه أن يؤسس أسرة ويصبح أبًا، أبًا يعرف كيف يكون سندًا، ودفئًا كما كان هو لنا، سيعود ليرى أولادي ويعانقهم كما كان يفعل، يشاكسهم ويضحك ونضحك كلنا معًا.