بنفسج

"قيد" توراثته العائلة عن صوافطة الأب والنجلين

الخميس 30 ابريل

الأسرى وأبناء الأسرى في السجون
الأسرى وأبناء الأسرى في السجون

شكّلت نهاية أكتوبر من عام 2023 فصلًا جديدًا وثقيلاً من فصول الألم التي تعيشها عائلة صوافطة من محافظة طوباس، باعتقال ربّ الأسرة والقيادي نادر مصطفى صوافطة (51 عامًا)، عقب اقتحام المنزل بطريقة همجية، على حدّ وصف الزوجة، السيدة معالي صوافطة.

كانت أمّ معاذ حينها حاملًا في شهرها الخامس، ليرزقهم الله بـ”سما” التي تبلغ اليوم عامين، وقد كبرت على صور والدها ومقاطع الفيديو المخزّنة سابقًا على هواتف العائلة، في مشهد وكأن التاريخ يعيد نفسه. فبعد عشرين يومًا من زواجهما، اعتقل الاحتلال صوافطة، وشاء الله أن تحمل في أحشائها طفلهم البكر معاذ، وقد قضى حينها ثلاثة أعوام ونصف في السجون.

اعتقالًا كل عام

IMG-20260424-WA0019.jpg

على الرغم من أن هذا الاعتقال هو الثاني عشر لصوافطة، إلا أنه الأصعب على الإطلاق، في ظل ما تمارسه إدارة السجون من سياسات توصف بالإعدام البطيء للأسرى، والمتمثلة في التنكيل والقمع والتجويع والإهمال الطبي.

بدأت معاناة أبو معاذ مع مسلسل الاعتقالات منذ كان في مقتبل العمر، في سن الثامنة عشرة. تقول أم معاذ في هذا السياق: “كل سنة تقريبًا، في بدايتها أو نهاياتها، يكون هناك اعتقال لأبو معاذ، هذا حالنا والحمد لله”.

ليقضي ما مجموعه ثمانية عشر عامًا متنقلًا بين سجون الاحتلال، ما بين اعتقال إداري وأحكام، عانى خلالها الكثير من سياسات الاحتلال التعسفية. كما نالت السنوات من صحته، لكنها لم تنل من عزيمته قيد أنملة، ولم يحد يومًا عن طريق اختاره وفكرة آمن بها في سبيل الله وتحرير الوطن من دنس المحتل.


اقرأ أيضًا: سَدَنة القَيْد وقامة اليَقين: رندة موسى الظل الذي صار نورًا


سنوات حُرم خلالها من قضاء أوقات ممتعة مع عائلته، وحضور مناسبات كثيرة، وممارسة تفاصيل الأبوة. في المقابل، عانت العائلة الأمرّين في ظل غيابه، خاصة الزوجة التي لعبت دورًا مزدوجًا، فكانت الأم والأب والسند. مؤمنة بقضاء الله وقدره، تكافح أمّ معاذ الحياة بصبر وثبات، تحتسب أجر صبرها عند الله، وكلها يقين بأن الفرج آتٍ.

وفي سياق إجراءات الاحتلال التعسفية وسياسة التجويع، فقد صوافطة من وزنه 45 كيلوغرامًا، كما يعاني سابقًا من أمراض في الظهر والأسنان، وكان الأصعب إصابته بمرض “السكابيوس” الذي انتشر بين الأسرى كالنار في الهشيم، نظرًا لسرعة انتشاره في ظل انعدام وسائل النظافة، وتزايد أعداد الأسرى، والإهمال الطبي الذي تنتهجه إدارة السجون بحق أكثر من 9,600 أسير.

اعتقال الأب ثم الابن البكر

IMG-20260424-WA0020.jpg

ومع منع الاحتلال لزيارات المحامين للأسرى الفلسطينيين، انقطعت أخبار أبو معاذ، إلا من معلومات بسيطة عبر أسرى محررين. في هذا الإطار تقول أم معاذ: “عند تواصلنا مع أسرى محررين من سجن نفحة، نسارع للوصول إليهم وسؤالهم عن أبو معاذ مع إرفاق صورة له، لنتفاجأ بعدم قدرتهم على التعرف عليه، نظرًا لتغير شكله خلال هذا الاعتقال بعد فقدانه الكثير من وزنه، وهذا ما يؤرقنا ويزيد قلقنا عليه”.

وتضيف: “الأيام بطيئة على الأسرى وعلينا كأهالٍ، الله أعلم بحالهم وحالنا. ما نسمعه من أخبار وقصص لا يطمئن، فعليًا هم مشاريع شهادة، والاحتلال يمارس عليهم سياسة إعدام بطيء”.


اقرأ أيضًا: ما وراء خبر اعتقالي: في البوسطة ثم الدامون


لم تقف معاناة العائلة عند اعتقال نادر صوافطة، بل امتدت إلى اعتقال نجليه، لتتضاعف معاناة أم معاذ. ففي شهر سبتمبر (أيلول) عام 2024، اعتقل الاحتلال الابن البكر معاذ على الجسر أثناء سفره بعد قضاء إجازة ما بين الفصلين، حيث يدرس في كلية الهندسة في إحدى جامعات تركيا، وقد أنهى ثلاث سنوات دراسية. وحتى اللحظة، ما زال موقوفًا في سجن جلبوع، وقد عانى من مرض السكابيوس عدة مرات، وتعرض للقمع حاله حال بقية الأسرى.

وبعد نحو سبعة أشهر من اعتقال معاذ، اقتحمت قوة كبيرة من جنود الاحتلال منزل العائلة، واعتقلت مازن الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، ولم يسمحوا لوالدته بوداعه أو حتى الحديث معه.

اعتقال الابن الثاني

IMG-20260424-WA0021.jpg

سدّ مازن الفراغ الذي تركه اعتقال والده وأخيه، فكان بمثابة رجل البيت، واعتمدت عليه العائلة في كثير من تفاصيل حياتها اليومية. وبألم ممزوج بحرقة، عبّرت أم معاذ عن قلقها المضاعف تجاه اعتقال مازن، كونه طفلًا قاصرًا، وجاء اعتقاله في مرحلة تُعد من الأصعب التي تمر بها الحركة الأسيرة، في ظل سياسات تعسفية متصاعدة.

وجاءت فترة اعتقاله في ظروف صعبة، إذ كان يستعد لأداء امتحانات التوجيهي التجريبية، ما حرمه من مرحلة مهمة ومفصلية في حياته الدراسية. وكل ما تعرفه الوالدة عن مازن أنه يقبع في سجن النقب الصحراوي، وقد جدّد الاحتلال اعتقاله إداريًا أربع مرات، فيما عانى من مرض السكابيوس، وتعرض لعمليات قمع وتنكيل.

تعيش العائلة قلقًا متزايدًا في ظل تعنّت الاحتلال في إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالأسرى، وشرعنة قوانين تمسّ حياتهم، فيما تطالب بضرورة العمل على تدويل قضية الأسرى والتخفيف من وطأة ما يتعرضون له من موت بطيء، محمّلة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياتهم وسلامتهم داخل السجون.

سما ابنة العائلة التي لم تر والدها

IMG-20260424-WA0018.jpg

ثلاثة من عائلة واحدة يعتقلهم الاحتلال في سجونه، وحتى داخل الأسر يصرّ على تفريقهم، فيما تخشى العائلة على أوضاعهم الصحية في ظل ما يتوارد من أخبار عن التدهور الحاد في أوضاع السجون.

عائلة صوافطة واحدة من العائلات الفلسطينية التي عانت الأمرّين جراء تكرار اقتحامات الاحتلال واعتقال أفرادها، ورغم ذلك، تشكّل نموذجًا للعائلات الصابرة التي بذلت ما تملك في سبيل حفظ كرامة الفلسطينيين ومواجهة الاحتلال.

يومًا بعد يوم، تتفاقم معاناة الفلسطينيين في ظل واقع يمعن في سلبهم أبسط حقوقهم، ولعل أبرز أشكال المعاناة قهرًا هو الاعتقال، الذي ينتهجه الاحتلال كسياسة ممنهجة، لها تبعات خطيرة تمس مختلف جوانب حياة الأسير ومحيطه.

ويتعرّض الأسرى لانتهاكات جسيمة وممنهجة ترتقي إلى مستوى الجرائم وفق قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، في ظل صمت دولي مقلق وتقاعس واضح عن تحمّل المسؤوليات القانونية والأخلاقية، فيما تتصاعد الدعوات للمجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والإنسانية للتحرك الفوري والفاعل لوقف هذه الانتهاكات.