تتكثف صور معاناة الأسيرات الفلسطينيات في ثلاث حالات تختصر حجم الانتهاك ولا تحصره: طفلة تُساق إلى التحقيق، وأمٌّ تُعتقل وهي تحمل جنينها، ورضيع يولد خلف القضبان. هذه ليست حوادث عابرة، بل واقع موثق عبر سنوات طويلة، يتطلب خطابًا موجّهًا إلى أمةٍ يُفترض أن تكون شاهدةً لا صامتة، فاعلةً لا متفرجة.
القاصرات… الطفولة في مواجهة القيد

تشير المعطيات الحديثة إلى وجود نحو 350 طفلًا فلسطينيًا في سجون الاحتلال، بينهم ثلاث فتيات قاصرات، وهنَّ سالي صدقة، هناء حمَّاد و ندى بني عودة. في خرقٍ واضح لمبادئ القانون الدولي التي تؤكد أن احتجاز الأطفال يجب أن يكون الخيار الأخير. غير أن الواقع يكشف أن الطفولة الفلسطينية تُستهدف باعتبارها جزءًا من بنية المجتمع المقاوم. فالقاصرات لا يُعتقلن فقط، بل يخضعن لتحقيقات قاسية وظروف احتجاز غير ملائمة.
وقد شكّلت أسماء في تاريخ الحركة الأسيرة مثل عهد التميمي ومرح بكير وجنى زكارنة نماذج واضحة لهذه الانتهاكات، حيث تحولت قصصهن إلى رموز لمعاناة الطفولة خلف القضبان.
إن اعتقال القاصرات يمثل انتهاكًا مباشرًا لـ اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص على ضرورة حماية الأطفال من الاحتجاز التعسفي، وضمان بيئة إنسانية تراعي أعمارهم واحتياجاتهم النفسية. لكن ما يحدث هو العكس تمامًا: طفولة تُقتلع من سياقها الطبيعي وتُزج في منظومة قمعية لا تعترف ببراءتها.
ثانيًا: الحوامل… أمومة تحت التهديد

ولا تقف المأساة عند حدود الطفولة، بل تمتد لتطال أكثر المراحل حساسية في حياة المرأة: الحمل. إن اعتقال النساء الحوامل يشكل انتهاكًا مركبًا، لأنه لا يمس الأسيرة وحدها، بل جنينها أيضًا. وقد برزت حالات مثل أنهار الديك التي أنجبت طفلها “جود” تحت وطأة الاعتقال، لتعيد تسليط الضوء على واقع بالغ القسوة.
كما ذُكرت أسماء مثل زهراء كوازبة ورماء بلوي كحالات تعرضت للاعتقال أثناء الحمل، في ظل نقصٍ واضح في الرعاية الصحية، وآخرها الأسيرة أمينة الطويل التي علمت بحملها في الأسر. هذه الوقائع تتعارض بشكل صارخ مع اتفاقية جنيف الرابعة التي تُلزم بتوفير حماية خاصة للنساء الحوامل، وضمان الرعاية الطبية الكاملة لهن.
ومع وجود ما يقارب 80 أسيرة فلسطينية في بعض الفترات الحديثة، تبقى قضية الحوامل من أخطر الملفات، إذ تتحول الزنزانة إلى مساحة تهديد دائم لحياتين معًا. إن صورة امرأة تنتظر مولودها خلف القضبان ليست مجرد مأساة إنسانية، بل دليل قانوني على إخفاق منظومة العدالة الدولية في حماية الفئات الأكثر ضعفًا.
الولادة في الأسر… حين يبدأ العمر خلف الجدران

أما الصورة الأشد قسوة، فهي تلك التي يبدأ فيها العمر من داخل السجن. لقد وثّق التاريخ الفلسطيني عشرات الحالات لأسيرات أنجبن داخل الأسر، في ظروف تفتقر لأبسط المعايير الإنسانية. من بين هذه الحالات تبرز فاطمة الزق التي أنجبت طفلها يوسف داخل السجن عام 2008، وسمر صبيح التي وضعت مولودها وهي مكبلة، إضافة إلى ميرفت طه وزكية شموط اللتين تمثلان امتدادًا تاريخيًا لهذه المعاناة منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
هذه الحالات لا تعكس فقط انتهاكًا صحيًا، بل خرقًا صريحًا لمعايير الأمم المتحدة، خاصة ما يتعلق بحقوق الطفل وكرامة الأم، وكذلك قواعد بانكوك التي تشدد على ضرورة إيجاد بدائل لاحتجاز النساء الحوامل. فالطفل الذي يولد في السجن لا يُحرم فقط من بيئة طبيعية، بل يُولد في سياق نفسي واجتماعي مشوه، حيث يتحول الحق في الحياة إلى معركة منذ اللحظة الأولى.
اقرأ أيضًا: يا أمة الجسد الواحد: أم وجنينها في زنازين الاحتلال
وليس آخرها معاناة تهاني أبو سمحان التي جاءها المخاض داخل الزنزانة في لحظات حبست أنفاس بقية الأسيرات، ومع ذلك تم تقييد يديها وقدميها لنقلها لمستشفى سجن الرملة ولا أخبار عنها وعن حال مولودها حتى وقت كتابة هذا التقرير.
وهنا نداء إلى أمةٍ تُختبر إن مجموع هذه الوقائع، من اعتقال القاصرات، إلى احتجاز الحوامل، إلى الولادة خلف القضبان، يكشف عن نمط ممنهج من التعذيب الذي يصل إلى حد القتل. وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 9600 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، بينهم نساء وأطفال، ما يجعل هذه القضية واحدة من أبرز القضايا الإنسانية في عصرنا. لكن الأخطر من الأرقام هو ما تعكسه من صمتٍ دولي وتراخٍ في المساءلة.
إن الطفلة التي تُعتقل، والأم التي تُقيد بحملها، والرضيع الذي يرى النور خلف القضبان… ليست قصصًا تُروى، بل مسؤولية تُحمل. فإما أن تتحول هذه المعاناة إلى وعيٍ وضغطٍ وموقف، أو تبقى شاهدًا على عجز أمةٍ لم تدرك بعد أن الصمت، في مثل هذه القضايا، ليس حيادًا… بل تخليًا.

