بنفسج

قانون إعدام الأسرى: الخبر الذي يقتل مرتين

الخميس 02 ابريل

قانون إعدام الأسرى
قانون إعدام الأسرى

لم تكن سنوات اعتقال زوجي مجرد زمنٍ عابرٍ في حياتي، بل كانت امتحانًا قاسيًا امتدّ في أعماقي، وغيّر ملامحي من الداخل. عشت خلالها أيامًا حالكة، ثقيلة كأنها لا تنقضي، وليالي طويلة ينهشها القلق والانتظار. وجدت نفسي وحيدة في مواجهة غيابٍ لا يُحتمل، غيابٍ لم يترك لي سوى الصبر سلاحًا أتشبث به كي لا أنهار.

لم أكن أعلم كيف نجوت من كل ذلك، ولا من أين كنت أستمد قدرتي على الاستمرار، لكنني كنت أمضي رغم كل شيء، بخطى متعبة، أتشبث بالصبر كأنه طوق النجاة الأخير. غير أن خبر مصادقة الكنيست على قانون إعدام الأسرى زلزل ما تبقى في داخلي من ثبات، وأعادني إلى دائرة خوفٍ لم أعرفها من قبل. نظرت إلى وجه طفلي الوحيد، وسألت نفسي بارتجاف: هل سيكبر وهو ينتظر حرية أبيه، أم سيكبر على فقده؟

بدأت حكاية اعتقال زوجي، الصحافي عامر أبو هليل، قبل زواجنا. فقد اعتُقل بين عامي 2015 و2017، ثم تزوجنا عام 2018، لنبدأ معًا حياةً لم تكتمل. بعد عام واحد فقط من زواجنا، عاد الاعتقال ليخطفه من جديد، فامتد من 2019 حتى 2022، ثم تكرر الاعتقال من 2022 حتى 2024، أما الاعتقال الرابع فقد بدأ في 2025 وما زال مستمرًا حتى الآن. كان يخرج لبضعة أشهر فقط، ثم يُعاد اعتقاله إداريًا، وكأن الحرية لم تكن سوى استراحة قصيرة في طريقٍ لا ينتهي.

اليوم، لا أخفي خوفي. أخاف على زوجي الذي يعاني من تدهورٍ واضح في صحته النفسية والجسدية. منذ إعلان الخبر، وأنا غارقة في الأسئلة: هل وصله؟ كيف تلقاه؟ هل شعر بقرب الأجل؟ هل داهمه اليأس؟ لا أعلم. لكنني أعلم أنني أعيش رعبًا غير مسبوق. كانت تلك الليلة قاسية، وجهه يلاحقني في كل زاوية، وكأن الغياب صار حضورًا موجعًا.


اقرأ أيضًا: خالد أبو عودة: رجل الميدان الذي لقى ربه محاصرًا جائعًا


منذ زواجنا، لم أقضِ معه سوى عامٍ واحد من أصل ثمانية أعوام، قضاها خلف القضبان دون تهمة واضحة. في اعتقاله الأخير، اقتُحم منزلنا فجرًا بطريقة وحشية، وحُرم من وداع طفله الذي لم يتجاوز عامين. أنجبت طفلي البكر والوحيد، توفيق، بعد سنوات من الانتظار، قبل حرب غزة بشهر واحد فقط، وكان والده أسيرًا.

في تلك اللحظة، سُرقت فرحتنا. حاولت بكل الطرق أن أحصل على تصريح ليرى والده، لكن كل محاولاتي فشلت. وبعد عامٍ وبضعة أشهر، أُفرج عن عامر، لكنه لم يعد كما كان. خرج مريضًا، مثقلًا بآثار التعذيب، محطمًا نفسيًا. لم يتقبل طفله، بل لم يتقبلني أنا أيضًا.

وقفت عاجزة أمام هذا المشهد، لكنني لم أستسلم. قررت عرضه على طبيب نفسي، فحالته كانت تتدهور يومًا بعد يوم. كان يعيش في خوف دائم، يعاني من هواجس لا تفارقه. كلما اقتحم الجيش منطقتنا، كان يسهر الليل كله، يدور حول نفسه بارتباك، يخشى الاعتقال مجددًا. ولم يطل الأمر، حتى عادوا واعتقلوه من جديد، لتبدأ دائرة المعاناة من جديد، أشد قسوة وأعمق أثرًا.

المصاب جلل. أهالي الأسرى، في ظل الحرب وانقطاع الزيارات، يموتون ببطء. كل يوم يمر كأنه عزاء مستمر. حين أنظر إلى وجه ابني توفيق، وهو يسألني ببراءة: “وين بابا؟” ينكسر شيء في داخلي. أراه ينظر إلى أطفال أشقائي في أحضان آبائهم، فأبكي بصمت. لم يعرف والده، ولم يعرف معنى الأمان. واليوم، أصبح الخوف أكبر، والرعب أعمق.

أنا، كزوجة أسير، لم تبدأ معاناتي مع هذا القانون، بل بدأت منذ سنوات. منذ أن كانوا يقتلون الأسرى ببطء، ينتزعون منهم صحتهم وحياتهم قسرًا. واليوم، أقف أمام هذا القرار مكبّلة الأيدي، دموعي حائرة: أبكي على زواجٍ لم يكتمل؟ أم على طفلي الذي انتظرته ست سنوات ولم ينعم بحياةٍ آمنة أو بحضن أبيه؟ أم أبكي على زوجي الذي لم يهنأ ببيته وأهله؟

المصاب جلل. أهالي الأسرى، في ظل الحرب وانقطاع الزيارات، يموتون ببطء. كل يوم يمر كأنه عزاء مستمر. حين أنظر إلى وجه ابني توفيق، وهو يسألني ببراءة: “وين بابا؟” ينكسر شيء في داخلي. أراه ينظر إلى أطفال أشقائي في أحضان آبائهم، فأبكي بصمت. لم يعرف والده، ولم يعرف معنى الأمان. واليوم، أصبح الخوف أكبر، والرعب أعمق.


اقرأ أيضًا: الأسيرة سلام كساب: "تعرضت للعزل لأني صليت"


كل ما أعلمه أن عامر يقبع الآن في سجن النقب. أصيب بالرصاص خلال اقتحام غرف الأسرى، ويعاني من مرض الجرب. أما حالته النفسية، فلا أحد يخبرني عنها، لكنني أعرفها جيدًا. أعرف كم هي هشة، وكم أنه بحاجة إلى علاج طويل. كنت قد بدأت علاجه بعد تحرره السابق، لكنه لم يُمنح الوقت الكافي ليشفى. حُرم من عمله الصحافي، واضطر للعمل كأجير يومي، مما زاد من معاناته النفسية.

ولم يتوقف الألم عند هذا الحد. فليس عامر وحده في السجون، بل إخوته أيضًا. ثلاثة أشقاء يقبعون خلف القضبان، لكل منهم حكاية ألم. شقيقه عمار، محامٍ شرعي، اعتُقل العام الماضي وما زال رهن الاعتقال الإداري. أما عمرو، أستاذ التربية الإسلامية، فقد أمضى تسع سنوات في السجون، ورُزق بطفله خلالها، ولم يره إلا صورة واحدة نقلها له محاميه.

عائلة كاملة خلف القضبان، ونحن هنا، عاجزون، نواجه هذا الظلم بصمتٍ موجع. واليوم، يأتون بهذا القرار الظالم، المخالف لكل المواثيق الدولية، التي يتغنى بها العالم، لكنها حين تتعلق بالفلسطيني تصبح مجرد حبرٍ على ورق. كل ما أرجوه، أن يخرج عامر. أن نلملم هذا الحزن الممتد كالنهر، أن نلتقي، حتى لو من خلف القضبان. أن أراه، أن يراه ابنه، أن نعيش ولو لحظة واحدة دون خوف.