عاشت أشهرًا طويلة لا تعلم إن كان على قيد الحياة أم لا. منذ اليوم الأول الذي عرفته فيه، كانت تدرك في أعماقها طبيعة الطريق الذي اختاره، وتدرك أن نهاياته ليست سهلة. ومع ذلك تمسكت بالأمل، إلى أن جاء الخبر الذي خشيت سماعه طوال عمرها وهو استشهاده. وصلها النبأ مقتضبًا وقاسيًا: "خالد استشهد رفقة ثلة من رفاقه في بيت حانون، بعد حصار طويل ومعارك ضارية". لم تعرف في تلك اللحظة كيف استشهد، ولا متى تحديدًا، فقط شعرت أن الزمن توقف، وأن شيئًا في قلبها انكسر إلى الأبد.
ما يثقل روحها أكثر من كل شيء، أنه رحل محاصرًا جائعًا. لا تعرف ماذا شعر في لحظاته الأخيرة، كيف واجه الألم، وكيف قاوم حتى الرمق الأخير. تسأل نفسها بصمتٍ موجع: كيف كانت ليالي الحصار عليه؟ كم مرة اشتبك؟ وكيف ودّع الحياة؟ هنا تحكي أم أكرم، زوجة الشهيد خالد أبو عودة، الذي ارتقى في بيت حانون وهو مقبل غير مدبر، رافضًا مغادرة الميدان. تسميه بطلها المجاهد، وتصرّ على أن زوجها ليس رقمًا في نشرات الأخبار، بل إنسان آمن بقضيته وبقي ثابتًا حتى اللحظة الأخيرة. تفتخر بأنها زوجة شهيد، وابنة الشهيد منير أبو عودة، وتحمل إرثًا من الصبر الممتد في العائلة.
حينما رحل الشهيد المشتبك

في الثالث والعشرين من سبتمبر 2025 وصلها خبر استشهاده، بعد انتظار أنهك روحها. لاحقًا علمت أن استشهاده كان في العاشر من أغسطس 2025، إثر استهداف مباشر طال المجموعة التي كان برفقتها. تقول بصوت تختلط فيه المرارة بالفخر: “عشت ليالي لا أعلم عنه شيئًا. كان الصبر خياري الوحيد، تعلّمته على مهل حتى أرهقني. أكثر ما كان يواسيني أنه كان ثابتًا في دربه. لحظة معرفتي بالخبر شعرت أن قلبي سيتوقف. سألت عن التفاصيل، كيف ومتى، لكن الأجوبة جاءت متأخرة”.
أحد رفاقه الذين خرجوا سالمين من بيت حانون أخبرها بما خفف عنها قليلًا: كان يذكر أسماءها وأسماء أطفاله، يكتبها على الرمل، ويدوّنها في دفتر صغير يحتفظ به. وقبل استشهاده، حفر أسماءهم على جدار النفق: “زوجتي الغالية رحمة… الدكتور أكرم… المهندس منير… الأميرة سلمى… بحبكم كتير”.
تتوقف لحظة، وتنساب دمعة رغم محاولتها الثبات:“لم أحظَ بفرصة وداع. بقي جثمانه تحت تراب بيت حانون التي أحبها. أنتظر أن أتمكن يومًا من الوصول، لأبحث عن أثرٍ منه… عن أي شيء يحمل رائحته”.
عائلة شتت شملها الاحتلال

عشر سنوات جمعتها بخالد، تصفه خلالها بأنه كان سندًا ورفيقًا، رجلًا متمسكًا بقيمه، محبًا لأسرته، كريمًا في عطائه، لا يطلب شيئًا لنفسه. تقول: “كان الحب في عينيه، والشجاعة في قلبه. رحيله ترك فراغًا عميقًا، لكنه ترك لنا أيضًا إرثًا من الكرامة”.
لديهما ثلاثة أبناء: أكرم، منير، وسلمى. يسألون عن والدهم بإلحاح، ويشتاقون لوجوده في تفاصيل يومهم. تقول رحمة: “أصعب لحظة حين يقولون: يا ريت بابا معنا. كيف أشرح لطفل معنى الشهادة دون أن أوجعه؟ أقول لهم إن والدهم في رحمة الله، وإنه فخور بهم”.
اقرأ أيضًا: وفاء عياش: حين أصابتني الحرب في العزيز
كانوا يحلمون بحياة بسيطة: بيت آمن، أيام هادئة، عمرة تجمعهم، وأبناء يكبرون على القيم التي آمنوا بها. أحلام عادية، لكن الحرب بعثرت تفاصيلها. خلال الحرب، نزحت رحمة وأطفالها إلى جنوب القطاع، بينما بقي أكرم في أقصى الشمال. كانت تصلهم رسائل متباعدة بسبب الظروف الأمنية، يتبادلون الأشواق عبر تسجيلات صوتية أو أوراق صغيرة علّها تصل.
وبعد أكثر من عام ونصف، التقوا مجددًا بعد زوال الحاجز بين الشمال والجنوب. تصف اللقاء بأنه كان كعودة الروح للجسد. ظنوا أن الفراق انتهى، لكن الحرب عادت بعد فترة قصيرة، فعاد هو إلى موقعه، وبقيت هي تواجه النزوح وحدها. تقول: “لم أرد أن يخرج من بيت حانون ولا يجدني كما حدث سابقًا، فبقيت أنتظر. كنت أرجو لقاءً آخر… لكنه لم يُكتب”.
ذكرى لا تغيب

تستعيد رحمة لقاءهما الأول، حين تقدم لخطبتها. شعرت يومها أن الله وضع القبول في وجهه. وفي أيام الغياب كانت تردد عبارة تمسكت بها: “ما دام في السماء من يحميك، فليس في الأرض من يكسرك”. كان يردد دائمًا: “لن تحصل أبدًا على شيء كامل، ستحصل على أشياء ناقصة تكتمل برضاك”.
في لقائهما الأخير، كان يوصيها بالصبر والقوة. حاولت أن تطلب منه البقاء، لكنه كان يرى واجبه بوضوح. جهزت له حقيبته، واستودعته الله. قال لها: “ديري بالك ع حالك وعلى الأولاد… الله معنا”.
رحل خالد، وبقي صوته في تفاصيل يومها، في دعائها، في صبرها. تختم حديثها بكلمات تختصر المسافة بين الألم والقوة: “الفقد لا يمر ولا يخف، نحن فقط نتعلم كيف نعيش معه. وجع يسكن القلب، يكبر في المناسبات والليالي الطويلة، لكننا نمضي… لأن الحياة لا تنتظر أحدًا”.

