بنفسج

إسراء أبو رقعة: حين لا يشفع للطواقم الطبية مئزرها الأبيض

الأربعاء 25 فبراير

استهداف الطواقم الطبية في غزة
استهداف الطواقم الطبية في غزة

سقط الصاروخ عليها، لكنها لم تشعر به. كأن الجسد توقف عن الإحساس دفعة واحدة. لم تشعر بالشظايا وهي تخترقها، وحدها الأصوات بقيت حاضرة: شقيقتها، زملاؤها ينادون اسمها بذعر، أصوات بدت قريبة وبعيدة في آن واحد. ومع الصراخ، بدأ الضوء ينسحب من عينيها ببطء، وتغشى المشهد بغباشة ثقيلة. عندها فقط أدركت أنها أُصيبت. في تلك اللحظة، لم تجد ما تتشبث به سوى الشهادتين، ترددهما بهدوء، وهي على مسافة خطوة من الغياب الأبدي. لم تطل الصدمة كثيرًا وسرعان ما دخلت في غيبوبتها.

هكذا تروي إسراء أبو رقعة، أخصائية الأشعة في مستشفى ناصر جنوب قطاع غزة، قصتها مع الإصابة، لحظة لم تتوقع فيها الموت يومًا. كانت في طريقها للإخلاء من المستشفى رفقة زملائها، معتقدة أن الخطر انتهى بمجرد خروجهم، وأن أقصى ما قد يواجههم هو الاعتقال على أحد حواجز جيش الاحتلال. لم يخطر في بالها أن يكون القصف هو النهاية المحتملة. تحكي إسراء عن غربتها، وعن الألم الذي رافق إصابتها، وعن رحلة طويلة مع الجسد المكسور.

يوم اخترقها الصاروخ

استهداف الطواقم الطبية.jpg

في الخامس عشر من فبراير/شباط 2024، كانت إسراء تحدّق في وجوه من حولها، بينما تتردد أصوات الانفجارات في المكان. حوصرت داخل مستشفى ناصر، حيث تعمل، لما يقارب ستة أسابيع متواصلة. ثم جاء القرار الصعب: "يجب الإخلاء إلى مكان آمن". تقول إنها نطقت الجملة وقلبها يرتجف، وأنها أدت صلاة الاستخارة قبل أن تخوض الطريق المجهول. كانت تخشى الاعتقال على حاجز للجيش الإسرائيلي، لكنها لم تتخيل، وهي تسلك المسار الشرقي لرفح، أن تُستهدف مع من معها بالقصف.

تقول: "سقط الصاروخ عليّ، لكنني كنت واعية لما يحدث حولي. لم أشعر بأي ألم، فقط سمعت صرخات شقيقتي والزملاء ينادون باسمي. خلال ثوانٍ بدأت الرؤية تتلاشى، وعندها أدركت أننا قُصفنا، فبدأت أردد الشهادتين".


اقرأ أيضًا: لأن للشهيد حبيبة


تضيف: "مكثت في العناية المركزة أربعة أشهر ونصف، خضعت خلالها لعدد كبير من العمليات. كانت حالتي تُوصف بالميؤوس منها، وكنت بحاجة إلى تحويل عاجل للعلاج في الخارج، لكن صعوبة التحويلات الطبية آنذاك أخّرت خروجي. مع مرور الوقت بدأت أتحسن تدريجيًا، وبالعلاج الطبيعي تمكنت من الجلوس على الكرسي المتحرك وتحسنت حركتي نسبيًا".

قضت إسراء ما مجموعه تسعة أشهر داخل المستشفى، في حالة صحية بالغة الخطورة. واجه الأطباء صعوبة كبيرة في التعامل مع إصابتها في ظل النقص الحاد في الإمكانات الطبية وغياب التخصصات اللازمة. عانت من فقدان واسع في الأنسجة بمنطقة الأرداف والظهر، وثقب في الأمعاء، إضافة إلى كسر مفتوح في الساعد الأيمن. ولم تتوقف معاناتها عند ذلك، إذ تعرضت لانخفاض حاد في عدد كريات الدم، مع صعوبة شديدة في توفير وحدات دم متوافقة مع فصيلة دمها النادرة (O-).

إصابة قاتلة

جرحى الحرب.jpg

خلال أشهر علاجها في غزة، واجهت إسراء تعقيدات صحية متلاحقة. ومع تعذر إجراء تدخلات جراحية دقيقة بسبب محدودية الإمكانات، تقرر تحويل ملفها الطبي للإجلاء. في السابع عشر من فبراير/شباط 2025، سافرت إلى مصر، حيث عُرضت حالتها على عدد من الأطباء المختصين. إلا أنها لم تخضع لأي تدخل جراحي فعلي، نظرًا لتعقيد إصابتها وندرتها، لتبقى حالتها معلقة بين محاولات العلاج وانتظار قرار طبي ممكن.

تقول بصوت أنهكه الألم: "أحتاج إلى عملية لإعادة مسار الإخراج بشكل طبيعي، وهي الأهم في حالتي، لأن عمليات زراعة الأنسجة والترميم مرتبطة بها. الأطباء يواجهون حالتي للمرة الأولى؛ فلا يوجد جدار للبطن، ولا أنسجة، وقد أُغلق بطني برقعة جلدية من الفخذ. ما زلت أتنقل بين الأطباء لاتخاذ قرار بإغلاقه، لكن حالتي تحتاج إلى دولة أخرى لتحديد ما يمكن فعله بدقة".

تعيش إسراء اليوم برفقة شقيقتها ندى في أحد المساكن المخصصة لجرحى غزة في القاهرة. تشتاق للعودة إلى غزة، لكن حالتها الصحية لا تزال تتطلب عمليات وعلاجًا طويل الأمد، ما يمنع عودتها في الوقت الحالي. وتسعى للعثور على جهة طبية أو إنسانية تساعدها في استكمال علاجها في إحدى الدول الأوروبية، بعدما عجز الأطباء في غزة والقاهرة عن التعامل مع تعقيد إصابتها.

ذكريات مريرة

مصابون الحرب.jpg

قبل الحرب، كانت إسراء تمارس عملها في غزة بشكل طبيعي. ومع اندلاع العدوان، وجدت نفسها أمام مشاهد لم تعهدها من قبل. كانت ترتجف يوميًا أمام الحالات التي تصل إلى قسم الأشعة، وتردد في داخلها السؤال نفسه: "هل نحن داخل فيلم رعب، أم أن هذا الكابوس سينتهي؟".

تقول وهي تغالب دموعها: "لا أنسى يوم استقبلت حالة لفتى استُهدف بدبابة إسرائيلية، وبقي ينزف وحيدًا خمسة أيام. كانت إصابته في الفك، مع فتحة كبيرة في تجويف الفم. أدخلته إلى التصوير المقطعي وأنا أرتجف من هول المشهد".

ولم تكن تلك الحادثة الوحيدة. تستحضر إسراء ذكرى أخرى حين وصلت إلى المستشفى سيدة داستها الدبابات الإسرائيلية مع أطفالها داخل خيمتهم. استُشهدت الأم، وبقيت طفلتان: إحداهما في العناية المركزة، والأخرى تعاني من احتباس دموي في كلتا عينيها. تقول: "كنت أشعر وكأنني أشاهد مشهدًا من فيلم رعب، لكنه كان واقعًا نعيشه كل يوم".