بنفسج

على عين الله.. حكاية موسى كما لم نقرأها

الأحد 05 ابريل

حكاية النبي موسى
حكاية النبي موسى

اقتربتُ أكثر في رمضان من نبيّ الله موسى -عليه السلام-؛ ولم أكن قبل هذا الشهر أفهم دواعي حبي العميق له منذ الطفولة. منذ طفولتي، ومنذ طفولته هو، تلك التي ألقته فيها أمّه في اليمّ، انتفض جسدي ما إن سمعت هذا الجزء من القصة، واستحوذت على كل ذرةٍ من كياني؛ لأدرك مبكرًا جدًا أن أعظم الأقدار تبدأ من أقسى اللحظات وأكثرها رعبًا.

أسرتني قصة الطفل الذي يطفو في سلةٍ من خوص على وجه النهر الذي أتأمله كل صباح. أسأله: أيُّ قطراتك حملت موسى رضيعًا؟ وأيُّها اهتزّت لدقّات قلب أمّه الفارغ؟ قبل أن يربط الله على قلبها، ويعدها أن يردّ إليها صغيرها… فيرده إليها، ثم يعدها أن يُصنع على عينه -جلّ وعلا- فيصنعه، ويكون معه في كل همسةٍ وحركة؛ لأوقن أن الله لا يُخلف وعده.

ثم في خروجه هاربًا إلى مدين، بعدما افترى عليه من استنصره بالقوة التي نصره بها؛ خرج موسى مثقل القلب، لا يحمل في قلبه إلا ربّه، ومضى في الأرض غريبًا، حتى انتهى به الطريق إلى بئرٍ في مدين، وهو لا يعلم أن خطوات الهارب كانت تُساق، في الحقيقة، إلى موعدٍ رتّبه الله له. يقف عند البئر حيرانًا، فإذا بابنتين لنبيٍّ آخر على ذات البئر؛ يسقي لهما، ثم يتولّى إلى الظل، ليعلّمني كيف يسخّر الله لعباده المخلصين عبادًا آخرين، يلتقون معهم في القرب منه والمحبة له.

وفي سنوات العزلة… سنوات التحوّل المدبَّر بدقّةٍ إلهية عجيبة، من شابٍ نشأ مترفًا في قصر فرعون، إلى راعٍ للغنم في الصحراء؛ تلك العزلة التي كبحت جماح قوّته، وضبطت بوصلة عاطفته، وأعادت تشكيله كقائدٍ حقيقي، سلّحته الخلوات بكل ما سيحتاجه عند خروجه إلى العالم مرةً أخرى نبيًا. ثم عودته إلى مصر، حين آنس من جانب الطور نارًا؛ مضى يجرّ إليها الخطى أملًا في قبسٍ يعود به إلى أهله، فعاد بنورٍ مبين، يغشاه، وينبعث منه إلى الدنيا بأسرها.

ناداه ربّه من جانب الطور الأيمن، في البقعة المباركة من الشجرة: “يا موسى إني أنا ربك”، وظلّ يعامله معاملة الطفل الأثير، حتى بعدما “بلغ أشدّه واستوى”؛ إذ لم يطلعه على معجزتي العصا والنور فحسب، بل درّبه عليهما في حضرته -ذي الجلال والإكرام-، ثم هداه إلى الطريقة المثلى لعرض رسالته على فرعون: “فقولا له قولًا لينًا لعلّه يتذكّر أو يخشى”.


اقرأ أيضًا: سورة النجم: حين يكون اليقين أخف على القلب


في كل مرةٍ خاف موسى، تدخّل الله بذاته العليا ليطمئنه؛ فحين ناداه في الوادي المقدّس طوى، أوجس في نفسه خيفة، فناداه: “يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين”. وحين رأى عصاه “تهتز كأنها جانّ” ولّى مدبرًا، فقال له الله: “يا موسى لا تخف إني لا يخاف لديّ المرسلون”. حتى حين امتلأ قلبه خوفًا من لقاء فرعون، ولم يصرّح به، قال له: “لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى”. وعندما سحر سحرة فرعون أعين الناس، وعرف الله ما في قلبه، لم يتأخر نصره: “لا تخف إنك أنت الأعلى”.

يرقّ قلبي لموسى… لأنه قَلِق، وأنا كذلك لا يبرحني القلق. يبهرني هذا المزيج الفريد في شخصيته: خوفه من كل شيء، وثقته المطلقة في الله. ثقة جعلت البحر أمامه، والعدو خلفه، والناس من حوله يقولون: “إنا لمدركون”، بينما هو ثابت على يقينٍ واحد: “كلا إن معي ربي سيهدين”. أتساءل كثيرًا: ما المكانة التي بلغها موسى ليطلب من ربّه: “واجعل لي وزيرًا من أهلي * هارون أخي”، فيجيبه فورًا: “قد أوتيت سؤلك يا موسى”؟! وأي منزلةٍ هذه التي لم يرضَ الله معها أن يُؤذى، فتدخّل بجاهه وسلطانه، وبرّأه مما قالوا؟!

أحب موسى حبًا جارفًا؛ لأنه نبيّ قريب من طبيعة البشر: بقلبه المرتجف خوفًا، وبعينه المتلفّتة قلقًا، وبروحه التي تعود في كل مرة لتستند إلى يقينٍ لا يتصدّع بأن الله معها. أحب إسهابه في الحديث عن العصا التي بيمينه، كأنّه يطيل الحوار مع محبوبه الأعظم، وأحب فضوله الفطري في رحلته مع الخضر، ورغبته في فهم ما وراء الأفعال، وحتى انفعاله الإنساني حين ألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه.

لذلك، كلما قرأت قصته، شعرت أنني لا أقرأ سيرة نبيٍّ من زمنٍ بعيد، بل أقرأ قصةً تسكن كل نفس بشرية، وتعرض رحلتها الشاقة نحو النور والتحرر. إنها رسالة لكل قلبٍ قلق: أن من صنعه الله على عينه، وتفضّل عليه بمعيّته، لن يضلّ الطريق أبدًا. ووعدٌ ضمنيّ يتجدّد لكل من أوذي واحتار… أنه سيكون — يومًا ما — “عند الله وجيهًا".