بنفسج

حكايتي كما لم تُروَ من قبل.. بين الصبر واليقين

الثلاثاء 07 ابريل

الناجون من الحرب
الناجون من الحرب

بعد أن داهم الصاروخ منزلي، وتحوّلت تفاصيله الصغيرة إلى ركامٍ مبعثر، فتحتُ عينيّ على أضواء كشافاتٍ حادة تخترق وجهي، كأنها تستجوبني عن ذنبي في النجاة. حاولتُ أن أستوعب الزمان والمكان، أن ألتقط خيطًا واحدًا من الوعي لأتشبث به، أن أفهم كيف انتقلتُ في لحظةٍ من دفء البيت إلى برودة الركام.

نظرتُ حولي… وجوهٌ كثيرة، أصواتٌ متداخلة، أيادٍ تنبش الحجارة، صرخاتٌ تمزقني، وأخرى تهمس قرب أذني: — هل أنتِ بخير؟ — ماذا يؤلمك؟ أيُّ شيءٍ لا يؤلمني؟ كنتُ أصرخ كما يصرخ حجرٌ إذا انكسر. قلتُ لهم: ظهري… أشعر أنه انشطر نصفين، ويداي لا تنتميان إليّ. كأن جسدي كله أصبح ساحة حرب، الألم فيه أكبر من أن يُختصر بكلمة، أو يُحاصر بعبارة، أو يُفرَّغ في صرخة.

كان الوجع متكتلًا، كثيفًا، كأن السماء سقطت دفعةً واحدة على الأرض، وكنتُ أنا بينهما، عالقةً بين سقوطين. رأسي كان خفيفًا بشكلٍ مخيف، كأنني أسبح في سراب، أغيب لثوانٍ ثم أعود، أفتح عينيّ لأتأكد أنني ما زلت هنا… أو ربما لأتمنى لو أنني لم أكن هنا يومًا. ثم… سرير المشفى. رائحة البارود تخنقني، العطش يحرق حلقي، لكنني لا أستطيع ابتلاع الماء. كل شيء فيّ يريد الحياة، لكن لا شيء حولي سوى الموت. لا أعرف أين أطفالي، لا أعرف إن كان زوجي ما زال يناديني، لا أعرف حتى إن كان لي غدٌ أستيقظ فيه.

في تلك اللحظة، شعرتُ أن الحياة صفعتني صفعةً لم أتخيلها، معركة لم أتهيأ لها، ولم أُمنح وقتًا لأتسلح قبل أن أُلقى فيها. ومع ازدحام الناس حولي، والأيدي التي تلمسني، والأصوات التي تنادي اسمي، كنتُ وحيدةً تمامًا. لأنني أدركتُ حينها أن الإنسان، مهما كثر من حوله، يواجه مصيبته وحده، وأنه هشٌّ إلى حدٍّ مفزع، يمكن أن يخسر كل شيء في ومضة.

لكن وسط كل هذا، كانت هناك حقيقة صغيرة، عنيدة، ترفض أن تموت: أنني ما زلت حيّة، وأن الله أراد لي النجاة لحكمةٍ لا يعلمها إلا هو. ربما لأروي حكايتي، لعلّ أحدًا يجد فيها نورًا، أو يلتقط منها عزاءً، أو يستدل بها على طريق الصبر حين يضيق.

على سرير المشفى، كانوا يتواردون عليّ واحدًا تلو الآخر، وأنا ممددة على فراشٍ مشبعٍ برائحة البارود والركام والدمار. كنتُ أسميها “رائحة الموت”… لأنها لم تكن مجرد رائحة، بل إعلانًا صامتًا أن شيئًا عظيمًا قد انكسر إلى الأبد. كنتُ أراقب وجوههم، لم يكن أحدٌ يتكلم، فالصمت كان أثقل من الجدران التي سقطت. كانت عيونهم وحدها تنطق: عيونٌ محمرة من البكاء، زائغة من هول الفاجعة، مهزومة أمام ثقل المصيبة.


اقرأ أيضًا: خالد أبو عودة: رجل الميدان الذي لقى ربه محاصرًا جائعًا


كنتُ أقول فقط: ياسمين. لا أطلب شرحًا… لا أطلب تفاصيل… فقط اسمها. كأن الاسم وحده يمكن أن يعيدها إليّ. تأتي أختي، عيناها متورمتان، شفتاها ترتجفان، لكنها لا تقوى على الكلام. تنظر إليّ مرة… وتفرّ مني مرات. أقرأ الخبر في دموعها، فأهرب إلى وهمٍ صغير. يأتي آخر ويقول: — إنها بخير.

ويمضي سريعًا، كأنه يخشى أن يفضحه صوته. يأتي خالي، يمسك بيدي بقوة… صامتًا. لكن تلك القبضة كانت اعترافًا. الصمت كان اعترافًا. ارتجاف الأصابع كان اعترافًا. وكنتُ أنا… بين الرجاء واليقين، أتشبث بكلمة “بخير” كما تتشبث الغريقة بخشبة، لكن قلبي… كان يعلم. وقلب الأم لا يُخدع طويلًا.

كنتُ أردد اسمها داخليًا، كذكرٍ أخير، كدعاءٍ أبدي: ياسمين. لم يخبرني أحدٌ صراحةً، لكن الخبر تسلل من العيون إلى قلبي، واستقر هناك كرصاصةٍ لا تُرى، لكنها تفتك بكل شيء. في تلك اللحظة… لم أصرخ، لم أبكِ. كنتُ أبحث في وجوههم عن كذبةٍ أصدقها، لكن الحقيقة كانت واقفة خلفهم جميعًا، واضحة، قاسية، لا تُدارى.

لم أشأ أن أتشبث بأملٍ كاذب، فالكذب في تلك اللحظة خيانة للقلب. الحقيقة وحدها — مهما كانت قاسية — هي الشيء الذي يمكن أن أقف أمامه وأقول: هذا قدري. قلتُ لنفسي: سأؤجل دموعي، سأؤجل انهياري، سأؤجل وجعي. الآن، أريد أن أكون قوية فقط لأودعها. دخل خالي… كان هو من لقنني الخبر. عيناه غارقتان في بحرٍ من الدموع. أمسكتُ به كما يمسك الغريق بقشة النجاة. قلتُ له: لا أريد مواساة… لا أريد عباراتٍ محفوظة… أريد الحقيقة. قال كلمة واحدة: — ادعيلها. ثم صمت.

جاء الطبيب، لا يعرف أن داخلي حطامًا مشتعلًا، وقال ببرود: شلل. لم تكن الصدمة كما ينبغي… كأن قلبي قال: وهل بقي ما يُرعبني بعد أن غابت طفلتي؟ كنتُ أرى فقدها قمة الألم، وما دونها تفاصيل. لكن فضل الله كان أوسع من ظنوني. خضعتُ لعملية في ظهري، وعشرون يومًا فقط… وكان الله كفيلاً بي. خطوتُ أولى خطواتي كطفلةٍ تتعلم المشي من جديد. كان المشي معجزة صغيرة، وكان الصبر صديقًا وملاذًا.

نظرتُ إليه وقلت بهدوءٍ لم أعرف من أين جاء: استشهدت؟ قال: استشهدت. في تلك اللحظة، شعرتُ أن قلبي سقط… واستقر في مكانٍ أعمق من الألم. قلتُ له: أرجوك… ضعوها بين يديّ. أريد أن أودعها ليلةً كاملة. أريدها أن تنام في حضني كما كانت تفعل… هذه الليلة فقط. وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون… الحمد لله.

لم تكن تلك الكلمات قوةً… بل محاولة ألا أنهار قبل أن ألمسها. لم أكن أريد من يربت على كتفي… كنتُ أريد أن أضمها… أن أملأ صدري منها… أن أتشبث بما تبقى. كنتُ متعبة… لا من جسدي… بل من مصابي بها. وما بعد ذلك… كان هينًا. خرجتُ من صدمة استشهاد طفلتي، وأنا أظن أن قلبي قد أخذ نصيبه كاملًا من الألم. قلتُ في سري: من خسر قطعةً من روحه… ماذا يمكن أن يفجعه بعد؟ لكن الحياة… كان لها قولٌ آخر.

جاء الطبيب، لا يعرف أن داخلي حطامًا مشتعلًا، وقال ببرود: شلل. لم تكن الصدمة كما ينبغي… كأن قلبي قال: وهل بقي ما يُرعبني بعد أن غابت طفلتي؟ كنتُ أرى فقدها قمة الألم، وما دونها تفاصيل. لكن فضل الله كان أوسع من ظنوني. خضعتُ لعملية في ظهري، وعشرون يومًا فقط… وكان الله كفيلاً بي. خطوتُ أولى خطواتي كطفلةٍ تتعلم المشي من جديد. كان المشي معجزة صغيرة، وكان الصبر صديقًا وملاذًا.


اقرأ أيضًا: في غزة... حين يصبح الأمل مقاومة


اعتدتُ نفسي عامًا كاملًا، صادقتُ ضعفي، وتعلمتُ أن القوة ليست في ألا أنكسر… بل في أن أختار الوقوف، كل مرة. ثم… بعد عام، عاد ظهري يهمس بخطرٍ جديد. جراحة أخرى… وموعد مع خوفٍ لم أتوقعه. وهنا كانت الصدمة أكبر. ليس لأن الألم أعظم… بل لأنني هذه المرة لم أكن منهارة. كنتُ قد قررت أن أكون قوية، رتبتُ حزني، وأقنعتُ نفسي أنني تجاوزتُ العاصفة… فإذا بعاصفةٍ أخرى تعيدني إلى البداية.

السقوط الثاني كان أكثر إيلامًا، لأنه يهدم ما بنيناه من قوةٍ بشق الأنفس. دخلتُ دوامةً لا أعرف اسمها: هل هو تعب الروح من كثرة المقاومة؟ أم حزن مؤجل لم أبكه كما يجب؟ أم لأنني أرهقت نفسي بصورة “القوية”؟

لكنني كنتُ أعلم يقينًا أن وقوفي بعد الإصابة لم يكن إلا فضلًا من الله، ورحمةً منه، ولولاها… لما خطوت خطوة. وها أنا اليوم… أشدّ رحالي في رحلة شفاءٍ جديدة. لا حول لي فيها ولا قوة إلا به. أضع وجعي بين يديه، موقنةً أن الذي أخرجني من ضيق اليأس إلى سعة الحركة، لن يعجزه أن يجبر كسري، ويمنح جسدي عافيته. فالله كان معي… ولا يزال. ويرافقني يقيني به، رغم صعوبة الطريق… وقسوة الحياة.