بنفسج

إلى صاحب تلك الابتسامة: رسائل ليتها تصل

السبت 11 ابريل

هناك أشخاص، لو رُويت حكايتهم أمام العالم بأسره، لما اكتفينا بسردها مرة واحدة، بل لظلّ الفخر يتجدّد في قلوبنا كلما أعدناها، وكأنها لا تُملّ، ولا تنتهي معانيها. أشخاص لا تُختصر حياتهم بكلمات، بل تتحوّل تفاصيلهم إلى دروس، وتُخلَّد مواقفهم في الذاكرة والتاريخ. ومن بين هؤلاء، يبرز الرجل الصابر الصامد علي حنون، الذي أطلقتُ عليه لقب “صاحب الابتسامة التي تُخفي وراءها معاني عظيمة”، وكأن تلك الابتسامة ليست مجرد تعبير عابر، بل رسالة كاملة تختصر حكاية وطنٍ بأكمله.

رغم قسوة الظروف، وعنف الاحتلال، وكلّ التحديات التي واجهها في حياته، بقيت ابتسامته ثابتة لا تفارقه، وكأنها تقف في وجه الألم متحدّيةً إياه. لم تكن ابتسامته ضعفًا، بل كانت قوة من نوعٍ آخر، قوة لا يراها إلا من تأمّلها بعمق. وكأنها تقول لنا: قد تُرهقنا الحياة، وقد تُثقلنا الجراح، لكننا لن ننكسر. وعندما سمعت قصته، لم يكن الأمر مجرّد استماع عابر، بل كان شعورًا عميقًا هزّ كياني، وكأن قلبي لم يعد كما كان قبلها، وكأن شيئًا في داخلي قد تغيّر إلى الأبد.

شعرتُ حينها وكأن هناك صوتًا خفيًا يجمعنا جميعًا، يقول لنا: نحن معًا، يا أهل غزة، نتقاسم الألم ذاته، ونحمل الوجع نفسه، لكننا رغم ذلك نقف، ونصمد، ونكمل الطريق. لم يكن شعور الوحدة في الألم ضعفًا، بل كان مصدر قوة، لأننا حين نتشارك الألم، نصبح أقدر على احتماله، وأقرب إلى فهم بعضنا البعض، وأكثر تمسّكًا بالحياة.

افتخرتُ فخرًا عظيمًا، فخرًا لا يشبه أي فخرٍ آخر، لأنه لم يكن مبنيًا على إنجازات عابرة، بل على صبرٍ طويل، وعلى قدرة عجيبة في الاستمرار رغم كل شيء. نحن من عشنا المعاناة، ونحن من نعرف ثقلها الحقيقي، ونحن من يحقّ لنا أن نقف أمام العالم ونقول: رغم كل ما مررنا به، ما زلنا هنا، وما زلنا أقوياء، وما زالت فينا حياة لا تنطفئ.

وفي لحظات كثيرة، ظننا أننا خسرنا، وأننا هُزمنا، وأن قلوبنا لم تعد تحتمل المزيد من الحزن، لكن قصته جاءت وكأنها نورٌ يتسلّل إلى أعماقنا، يبدّد ذلك الظلام، ويُعيد ترتيب مشاعرنا من جديد. وكأنها تمسح عن قلوبنا غبار التعب، وتعيد إليها القدرة على النبض من جديد، لتقول لنا إن في داخلنا طاقةً لم تنفد بعد، وإن الأمل لا يزال ممكنًا مهما اشتدّ السواد.


اقرأ أيضًا: في غزة... حين يصبح الأمل مقاومة


ومع كل ذلك، يبقى سؤالٌ يطرق ذهني بإلحاح: كيف يمكن لقلوبٍ أن تصل إلى هذا الحد من القسوة؟ كيف لإنسان أن يؤذي إنسانًا مثله، وخاصة إن كان كفيفًا؟ كيف تُطمس الرحمة بهذا الشكل؟ أسئلة موجعة لا نجد لها جوابًا شافيًا، لكنها تفتح في داخلنا بابًا أوسع للتأمل في معنى الإنسانية وحدودها.

لكن، رغم كل هذه الأسئلة، يبقى في داخلنا يقينٌ ثابت لا يتغيّر: أننا لسنا مثلهم، ولن نكون كذلك أبدًا. فنحن، مهما اشتدّ بنا الألم، لا نسمح لأنفسنا أن نفقد إنسانيتنا، ولا أن نحمل القسوة نفسها في قلوبنا. لأن ديننا، وقيمنا، وما تربّينا عليه، يدفعنا لأن نسمو فوق الجراح، وأن نردّ بالصبر، وأن نحتسب كل ما نمرّ به عند الله. فنحن نؤمن أن لكل ظلم نهاية، وأن لكل صبر أجرًا عظيمًا لا يضيع.

أما الرجل العظيم علي حنون، فهو ليس مجرد إنسان عادي، بل هو قصة تُروى، ودليل حيّ على أن الإيمان الحقيقي لا يتزعزع مهما اشتدّت الظروف. هو ذلك الصوت الذي يهمس لنا في لحظات ضعفنا: إن كنتم تظنون أن الطريق صعب، فاعلموا أنكم أقوى من كل صعوبة. وإن ضاقت بكم الحياة، فتذكّروا أن في الصبر نورًا، وفي الألم حكمة، وفي الانتظار فرجًا يقترب بصمت.

سأظل أكتب عنه، وأتحدّث عنه، وأروي قصته لكل من ألتقي به، لأنه يستحق أن يُذكر، وأن يبقى حيًا في قلوبنا. سأرفعه في كلماتي، وأجعله رمزًا للصبر، لأن بعض الأشخاص لا يموتون ما دامت قصصهم تُروى، وما دامت آثارهم باقية في النفوس.

وفي كل مرة أشعر فيها بالتعب، أو بضغطٍ من الدراسة، سأتذكّر ابتسامته، وسأقول لنفسي: إن كان هو قد صبر، فلابد أنني أستطيع. وإن كان هو قد ابتسم رغم كل شيء، فلابد أن في داخلي قوةً لم أكتشفها بعد، تنتظر اللحظة التي أؤمن بها لأُطلقها.

وفي النهاية، هذه ليست مجرد كلمات تُكتب، بل رسالة أكتبها أن من أعماق قلبي، لكل من أرهقته الحياة وأثقلته الهموم: لا تيأسوا. فمهما طال الألم، لن يدوم، ومهما اشتدّت الصعاب، ستنتهي. سيبقى فينا نور لا ينطفئ، وسيبقى الأمل حيًا في قلوبنا ما دمنا نؤمن، ونصبر، ونتمسّك بالله. فنحن لسنا مجرد عابرين في هذه الحياة، بل نحن حكايات ستُروى، وصبرٌ سيُخلَّد، وأملٌ لن يُهزم أبدًا.