تزداد خشية عائلات الأسرى يومًا بعد يوم، في ظل انقطاع الأخبار عن أوضاع أبنائهم وحالتهم الصحية، لا سيما عقب إقرار الكنيست الإسرائيلي لما يُعرف بقانون إعدام الأسرى، في خطوة تعمّق القلق وتفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات بحقهم.
وفي مشهد يعكس قسوة الواقع، لم يعد الصحفي الفلسطيني مجرد ناقل للحقيقة، بل أصبح هدفًا مباشرًا لآلة القمع؛ فمن كان بالأمس شاهدًا يوثّق جرائم الاحتلال وينقلها إلى العالم، بات اليوم أسيرًا في زنازينه، يدفع ثمن كلمته وصورته.
في هذا التقرير، نرصد آخر أوضاع الأسرى الصحفيين، ونسلط الضوء على حالتين بارزتين: الصحفي محمد منى، مراسل وكالة “قدس برس”، والصحفي الحر محمد رضوان أبو ثابت من محافظة نابلس.
الصحفي محمد منى: اعتقال إداري يتجدد
22 شهرًا قضاها محمد في الاعتقال الإداري، مغيبًا عن العالم، ليُعاد اعتقاله من جديد، في حلقة مستمرة من القيد والحرمان. محمد، الذي كان يحمل الكاميرا والقلم لنقل معاناة الأسرى، أصبح اليوم شاهدًا حيًا على ذات الانتهاكات التي طالما وثّقها.
ورغم الاعتقالات المتكررة، لم يتراجع محمد عن رسالته الصحفية، بل واصل عمله في توثيق قصص الأسرى ومعاناتهم، مؤمنًا بأن الكلمة والصورة سلاح في مواجهة القمع.
على مدار سنوات، أمضى محمد نحو عشرة أعوام في سجون الاحتلال بشكل متفرق، من بينها ستة أعوام خلال فترة زواجه الممتدة منذ 17 عامًا. سنوات حُرم فيها أطفاله الثلاثة—حمزة (14 عامًا)، وعبد الرحمن (10 أعوام)، ونجاة (4 أعوام)—من حنان الأب ومشاركته تفاصيل حياتهم.
أبدت السيدة سوسن أبو معلا قلقها العميق على حياة زوجها الأسير الصحفي محمد منى، المعتقل منذ نحو ستة أشهر رهن الاعتقال الإداري، رغم أنه لم يمضِ على تحرره من سجون الاحتلال سوى خمسة أشهر فقط، بعد اعتقال سابق دام 22 شهرًا. تتحدث سوسن بحرقة قائلة: “حرية لم ننعم بها كعائلة، لم نشبع من وجود محمد بيننا، حتى أعاد الاحتلال اعتقاله بعد خمسة شهور فقط… ما لحقنا نشبع منه”، متسائلة عن الذنب الذي اقترفه زوجها ليُعاد إلى السجن بهذه السرعة.
وتشير إلى أن لحظة الإفراج عنه سابقًا كانت كفيلة بكشف حجم المعاناة التي تعرض لها داخل السجون، إذ خرج بملامح شاحبة وجسد منهك بعد أن فقد جزءًا كبيرًا من وزنه، نتيجة ما تعرض له من تجويع وتنكيل. 22 شهرًا قضاها محمد في الاعتقال الإداري، مغيبًا عن العالم، ليُعاد اعتقاله من جديد، في حلقة مستمرة من القيد والحرمان. محمد، الذي كان يحمل الكاميرا والقلم لنقل معاناة الأسرى، أصبح اليوم شاهدًا حيًا على ذات الانتهاكات التي طالما وثّقها.
اقرأ أيضًا: ماذا تعلمنا غزة اليوم؟ أن الوفاء ديدن الأحرار
ورغم الاعتقالات المتكررة، لم يتراجع محمد عن رسالته الصحفية، بل واصل عمله في توثيق قصص الأسرى ومعاناتهم، مؤمنًا بأن الكلمة والصورة سلاح في مواجهة القمع. على مدار سنوات، أمضى محمد نحو عشرة أعوام في سجون الاحتلال بشكل متفرق، من بينها ستة أعوام خلال فترة زواجه الممتدة منذ 17 عامًا. سنوات حُرم فيها أطفاله الثلاثة—حمزة (14 عامًا)، وعبد الرحمن (10 أعوام)، ونجاة (4 أعوام)—من حنان الأب ومشاركته تفاصيل حياتهم.
تقول زوجته إن أطفالها لا يكفون عن السؤال عن والدهم، ويشتاقون إليه في كل لحظة، ويبدون خوفهم عليه في ظل ما يسمعونه عن سياسات التنكيل والتجويع داخل السجون. ومع إقرار قانون إعدام الأسرى، تضاعفت مخاوف العائلة على مصير محمد، خاصة في ظل انقطاع أخباره.
الصحفي محمد أبو ثابت: تأجيل المحاكمة
عيش عائلة الصحفي الحر محمد رضوان أبو ثابت من قرية بيت دجن شرق نابلس، حالة من القلق المستمر، منذ اعتقاله في العاشر من فبراير/شباط من العام الجاري، وما يزال موقوفًا حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
تستعيد زوجته، السيدة مريم، تفاصيل لحظة الاعتقال بمرارة، قائلة: “اقتحمت مجموعة من الجنود المنزل بطريقة همجية، وسط تهديدات، وأجلسوه على الأرض، وقيدوا يديه وعصبوا عينيه، ومنعونا منعًا باتًا من رؤيته أو الحديث معه”.
محمد، الذي يعمل في مجال الصحافة إلى جانب عمله موظفًا في أحد المجالس القروية، ترك خلفه عائلة تعيش على وقع القلق والانتظار. ويظهر أثر غيابه بوضوح على أطفاله، خاصة نجله الأصغر (عامان ونصف)، الذي يكرر السؤال عن والده، ويعيد سرد تفاصيل اقتحام الجنود للمنزل، في صورة تعكس الأثر النفسي العميق لهذه التجربة.
وفي سياق مشابه، تعيش عائلة الصحفي الحر محمد رضوان أبو ثابت من قرية بيت دجن شرق نابلس، حالة من القلق المستمر، منذ اعتقاله في العاشر من فبراير/شباط من العام الجاري، وما يزال موقوفًا حتى لحظة إعداد هذا التقرير. تستعيد زوجته، السيدة مريم، تفاصيل لحظة الاعتقال بمرارة، قائلة: “اقتحمت مجموعة من الجنود المنزل بطريقة همجية، وسط تهديدات، وأجلسوه على الأرض، وقيدوا يديه وعصبوا عينيه، ومنعونا منعًا باتًا من رؤيته أو الحديث معه”.
محمد، الذي يعمل في مجال الصحافة إلى جانب عمله موظفًا في أحد المجالس القروية، ترك خلفه عائلة تعيش على وقع القلق والانتظار. ويظهر أثر غيابه بوضوح على أطفاله، خاصة نجله الأصغر (عامان ونصف)، الذي يكرر السؤال عن والده، ويعيد سرد تفاصيل اقتحام الجنود للمنزل، في صورة تعكس الأثر النفسي العميق لهذه التجربة.
“نحن دائمًا خائفون عليه… من الذي نسمعه نعيش على أعصابنا… ربنا المستعان، الخوف ليس عليه فقط بل على كل الأسرى في ظل هذا الوضع السيئ”. وتطالب العائلة بالإفراج عنه، والعمل على تحسين أوضاع الأسرى، وإعادة السماح بزيارات المحامين والعائلات، التي توقفت منذ اندلاع الحرب.
وبحسب مؤسسة “هموكيد” لحقوق الإنسان، فإن محمد محتجز حاليًا في مركز تحقيق الجلمة، بعد أن نُقل من سجن عوفر، وقد أنهى التحقيق معه، فيما تم تأجيل محاكمته عدة مرات دون مبررات واضحة.
تتابع العائلة بقلق بالغ ما يرد من معلومات حول أوضاع الأسرى داخل السجون، في ظل استمرار السياسات التعسفية، والتي تفاقمت بعد الحرب على غزة، وزاد من حدتها إقرار قانون الإعدام.
وتشير زوجته إلى أن محمد كان يعاني قبل اعتقاله من آلام في الظهر والكتفين نتيجة حادث عمل، مضيفة: “نحن دائمًا خائفون عليه… من الذي نسمعه نعيش على أعصابنا… ربنا المستعان، الخوف ليس عليه فقط بل على كل الأسرى في ظل هذا الوضع السيئ”. وتطالب العائلة بالإفراج عنه، والعمل على تحسين أوضاع الأسرى، وإعادة السماح بزيارات المحامين والعائلات، التي توقفت منذ اندلاع الحرب.
انتهاكات متواصلة

وفي سياق الانتهاكات الأوسع بحق الصحفيين، وثّقت لجنة الحريات في نقابة الصحفيين الفلسطينيين خلال شهر مارس/آذار الماضي 53 انتهاكًا ارتكبتها قوات الاحتلال بحق الصحفيين الفلسطينيين. وشملت هذه الانتهاكات: مقتل صحفيين من غزة والضفة، و12 حالة احتجاز ومنع من التغطية، و8 حالات استهداف مباشر بقنابل الغاز والصوت، و8 حالات اعتداء بالضرب، إضافة إلى 7 حالات مصادرة وتحطيم معدات صحفية، و6 حالات اعتقال، و4 حالات اقتحام لمنازل الصحفيين.
كما وثّقت النقابة 22 حالة اعتقال لصحفيين منذ بداية عام 2026، بينهم أربع صحفيات، جرت عبر اقتحام المنازل أو الاعتقال على الحواجز أو أثناء التغطية الميدانية، مؤكدة أن هذه الانتهاكات تمثل تصعيدًا خطيرًا واعتداءً مباشرًا على حرية العمل الصحفي.
بدوره، أفاد مكتب إعلام الأسرى بأن عدد الصحفيين المعتقلين في سجون الاحتلال حتى منتصف يناير الماضي بلغ 40 صحفيًا وصحفية، بينهم اثنان لا يزالان رهن الإخفاء القسري دون معرفة مصيرهما، وهما نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد من قطاع غزة.
وأوضح المكتب أن عدد حالات اعتقال الصحفيين والإعلاميين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بلغ نحو 220 حالة، تعرض معظمهم خلالها لانتهاكات جسيمة داخل السجون. كما تشير المعطيات إلى أن أكثر من 80% من الصحفيين الذين أُفرج عنهم، تم اعتقالهم تحت نظام “الاعتقال الإداري”، دون توجيه تهم رسمية أو تقديمهم لمحاكمة.
وفي سياق متصل، قُتل نحو 300 صحفي وعامل في مجال الإعلام في قطاع غزة منذ بدء الحرب، وفق إحصائيات مرصد “شيرين”، في واحدة من أكثر الفترات دموية بحق الصحفيين في العالم. في ظل هذه المعطيات، تتجلى صورة قاتمة لواقع الصحفي الفلسطيني، الذي يدفع ثمن نقل الحقيقة من حريته وحياته، فيما تبقى عائلات الأسرى معلقة بين الخوف والرجاء، تترقب خبرًا يطمئن القلوب، في واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.

