بنفسج

هل تخافين من الفئران؟ الخوف ترف الخيام

الخميس 30 ابريل

معاناة القوارض في غزة
معاناة القوارض في غزة

صوت خشخشة مخيف ليلًا، بينما تضرب الرياح أقمشة الخيام المفتوحة… في غزة لم تعد الخيام مجرّد ملاذ مؤقت من القصف، بل تحوّلت إلى بيئة قاسية تتقاطع فيها أشكال متعددة من المعاناة. وبينما ينشغل العالم بأرقام الضحايا وحجم الدمار، تنمو داخل هذه الخيام أزمة صامتة، لكنها شديدة القسوة: انتشار القوارض والحشرات وما تحمله من أمراض ومخاطر يومية تهدد حياة النازحين خاصة الأطفال.

منذ اندلاع الحرب أُلقي على قطاع غزة ما يقارب 200 ألف طن من المتفجرات، وهو رقم لا يعكس فقط حجم التدمير، بل حجم التحوّل البيئي الخطير الذي خلّفته الحرب. فمع انهيار البنية التحتية، وتوقف خدمات الصرف الصحي وتراكم النفايات في محيط الخيام، إضافة إلى وجود جثث لا تزال تحت الأنقاض، تشكّلت بيئة مثالية لتكاثر القوارض والحشرات بشكل غير مسبوق.

17 الف إصابة من القوارض

IMG-20260429-WA0025.jpg

هذه البيئة لا تُرى في نشرات الأخبار لكنها تُعاش يوميًا داخل الخيام. هناك حيث تختلط الروائح، وتتراكم الرطوبة وتغيب أبسط مقومات النظافة، تجد الفئران طريقها بسهولة إلى الداخل لا كزائر عابر بل كساكن دائم يشارك العائلات تفاصيل يومها وليلتها.

في عام 2026 وحده، سُجّلت أكثر من 17 ألف إصابة مرتبطة بالقوارض بين النازحين، وفق معطيات ميدانية، تشمل عضّات مباشرة، خاصة للأطفال والرُضّع، إضافة إلى أمراض جلدية مثل الجرب والقمل، التي انتشرت بشكل واسع داخل المخيمات. ولا تقف المخاطر عند هذا الحد، إذ تهاجم القوارض الطعام وتلوّثه، ما يرفع من احتمالية الإصابة بأمراض معوية خطيرة في بيئة تفتقر أصلًا إلى الرعاية الصحية الكافية.

داخل الخيام تتلاشى الحدود بين الليل والنهار، لكن الليل يحمل قلقًا مضاعفًا. كثير من العائلات تضطر إلى السهر لساعات طويلة، لا خوفًا من القصف هذه المرة، بل لحراسة أطفالها من الفئران التي تنشط أكثر في الظلام. تروي إحدى الأمهات أنها لم تعد تنام بشكل متواصل منذ أشهر، إذ تستيقظ على أي حركة، خشية أن تكون فأرًا يقترب من طفلها الرضيع.

200 ألف طن من المتفجرات

IMG-20260429-WA0026.jpg

الفئران لا تكتفي بالتسلل بل تحفر تحت الخيام، وتشق طريقها عبر الأرض الرخوة، لتظهر فجأة داخل المساحة الضيقة التي تعيش فيها الأسرة. كما تقوم بقرض الأقمشة ما يؤدي إلى تلف الخيام ويجعلها أكثر عرضة للبرد والمطر، في مشهد يضاعف من هشاشة هذا “الملاذ”.

هذا الواقع يفرض على النازحين نمط حياة قاسي، يتطلب يقظة دائمة، ويضيف عبئًا نفسيًا جديدًا إلى قائمة طويلة من الضغوط. فالأطفال الذين نجوا من القصف، يجدون أنفسهم في مواجهة تهديد آخر، أقل صخبًا لكنه لا يقل رعبًا، بينما تعيش الأمهات حالة مستمرة من القلق، بين حماية أطفالهن من الجوع والمرض والخطر الذي يتحرك في الظل.

ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن السياق العام الذي تعيشه غزة، حيث أدت الحرب إلى انهيار شبه كامل في المنظومة الصحية والبيئية. فغياب المياه النظيفة، وصعوبة الوصول إلى مواد التعقيم، وانعدام خدمات جمع النفايات، كلها عوامل ساهمت في تفاقم المشكلة، وجعلت السيطرة عليها أمرًا بالغ الصعوبة.

فئران تقاسمنا الخيام

IMG-20260429-WA0024.jpg

في ظل هذا الواقع، تبدو الجهود الفردية محدودة للغاية. بعض العائلات تحاول استخدام وسائل بدائية لإبعاد القوارض، كإشعال النيران أو استخدام مواد ذات روائح نفاذة، لكن هذه الحلول لا توفر حماية حقيقية، خاصة مع الكثافة العالية لهذه الكائنات وسرعة تكاثرها.

تمثل هذه الظاهرة تهديدًا يوميًا ومباشرًا لحياة آلاف النازحين، وتكشف عن بُعد آخر من أبعاد المعاناة التي يعيشها سكان الخيام، حيث لا يتوقف الخطر عند حدود القصف، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.

في غزة لم يعد السؤال “هل تخاف من الفئران؟” يحمل طابعًا عابرًا، بل أصبح انعكاسًا لواقع مرير، حيث لم يعد الخوف ترفًا، بل جزءًا من الحياة. داخل الخيام، يتشارك الإنسان مع القوارض المكان والقلق، والانتظار، في مشهد يلخّص حجم المأساة التي تتجاوز كل التصنيفات.

وبينما تستمر الأزمة، يبقى النازحون عالقين في دائرة مغلقة من المعاناة، حيث تتراكم التهديدات، وتتراجع القدرة على المواجهة، في ظل غياب حلول حقيقية، واستمرار ظروف تدفع بالحياة اليومية إلى حافة الاحتمال.