بنفسج

الباسل: ناج من تحت الركام يروي قصته

السبت 11 ابريل

الناجون من الحرب
الناجون من الحرب

يخرج طفلٌ باسم الباسل، من قلب الوجع، من ذاكرةٍ لم تعد تعرف معنى الطفولة كما ينبغي، ليسرد تفاصيل حكايته، كما عاشها، بكل ما فيها من خوفٍ ودهشةٍ وألمٍ وأسئلةٍ لا تنتهي. أنا الباسل، طفل في التاسعة من عمري. بدأت أولى مراحل حياتي الصعبة وأنا في السابعة، حين وقعت المصيبة. كانت لحظة لا تُنسى، لحظة دقّت فيها ساعة الصفر، حين اشتعلت السماء بوهجٍ أحمر، وكأنها تستعد لأن تسقط على الأرض وتحولها إلى جحيم. كل شيء من حولي كان يضجّ بالغبار والصراخ والضوضاء، أصواتٌ متداخلة، لا يُفهم منها سوى نداء واحد يتكرر: "النجدة… النجدة".

كنت نائمًا، أفتح عيني بصعوبة، أبحث عن سقف غرفتي، فلم أجده. كان سريري مغطى بالزجاج والغبار والحجارة، وكأن المكان لم يعد كما كان قبل لحظات. قفزت من مكاني مذعورًا، لا أفهم ما يحدث، وإذا برجل يركض نحوي، يصرخ بأعلى صوته: "ناجي… ناجي!". نظرت إليه وقلت في داخلي: أنا لست ناجي… أنا الباسل.

فُتح باب السيارة، ودخل أخي محمولًا، مغطى بالدماء، لا يتحرك، وعيناه مغمضتان. خلفه كان هناك لحاف، بدا وكأن شيئًا بداخله. سألت الرجل ببراءة: "ما هذا؟" قال لي: "لا شيء". لكن ملامحي كانت تتغير كلما نظرت إلى أخي… لم يسلم جزء من جسده من الشظايا، لكنه لم يكن يبكي، بدا وكأنه نائم فقط.

لم يمهلني الوقت لأفهم، حملني بين ذراعيه بسرعة، وأدخلني إلى سيارة إسعاف كانت تقف أمام بيتنا… بيتنا الكبير. اقتربت من نافذة السيارة، ونظرت إلى الخارج، لكن ما رأيته لم يكن بيتنا الذي كنت أركض فيه بالأمس. لم يكن كما أعرفه. كان مشهدًا لا يُحتمل… أربع طوابق أصبحت ركامًا، وسائلٌ أحمر ينتشر بين الأعمدة والحجارة، كأنه يحكي قصةً لا يريد أحد سماعها.

فُتح باب السيارة، ودخل أخي محمولًا، مغطى بالدماء، لا يتحرك، وعيناه مغمضتان. خلفه كان هناك لحاف، بدا وكأن شيئًا بداخله. سألت الرجل ببراءة: "ما هذا؟" قال لي: "لا شيء". لكن ملامحي كانت تتغير كلما نظرت إلى أخي… لم يسلم جزء من جسده من الشظايا، لكنه لم يكن يبكي، بدا وكأنه نائم فقط.

تحركت سيارة الإسعاف، ووصلنا إلى المستشفى. كانت العيون تلتف حولنا، تنظر إلينا بشفقةٍ واستغراب، وكأننا نحمل قصة أكبر من أعمارنا. أدخلوني إلى الداخل، وبدأت أشعر بدفءٍ في يدي، لكنني لم أهتم. اقترب طبيب، بدت على وجهه علامات التعب والإرهاق، أمسك يدي، فإذا بها تنزف… شظية استقرت بداخلها.

لم أشعر بالألم حين دخلت، لكن حين بدأ بتنظيف الجرح، صرخت وبكيت، كأن الألم قرر أن يأتي دفعة واحدة. لم أحتمل… وغبت عن الوعي. استيقظت على صوت جدتي تناديني: "يا باسل… باسل". فتحت عيني، فوجدت الجميع من حولي، يبكون. لم أفهم لماذا، لكنني بدأت أبكي معهم، فقط لأنهم يبكون. كنت طفلًا بسيطًا، أبكي لأن الآخرين يبكون.


اقرأ أيضًا: كيف تحفظ الذاكرة: أدب الأطفال كأداة تربوية


سألت جدي: "أين أمي؟" قال لي: "ذهبت إلى السوق، وستعود بعد أيام". استغربت… أيام؟ وأي سوق هذا الذي تبقى فيه كل هذه المدة؟ ثم تذكرت بيتنا… ألم يُهدم؟ وأين سنعود؟ مرت الأيام، وكنت ألعب في ساحة بيت جدي. فجأة، تذكرت أخي. ركضت إلى جدي: "أين أخي؟ وأين كرتنا التي كنا نلعب بها؟" قال لي: "أخوك في المدرسة الآن". سألته عن أبي، فقال: "في العمل".

بدأت الأسئلة تكبر في داخلي: ما هذا العمل الذي لا ينتهي؟ وما هذا السوق الذي لا يعود منه أحد؟ وما تلك المدرسة التي لا نرجع منها إلى البيت؟ مرت الشهور… ثم الأعوام. تنقلنا من مكانٍ إلى آخر، بين نزوحٍ وجوعٍ وقصف، وبين خوفٍ لا يغادرنا. كنت أستيقظ كل يوم، أطرح نفس الأسئلة، وأتلقى نفس الإجابات.

كبرت… وأصبح عمري تسع سنوات. أدركت شيئًا لم أكن أفهمه من قبل. أدركت أن أمي، وأبي، وأخي… لم يذهبوا إلى سوق، ولا إلى عمل، ولا إلى مدرسة. لقد ذهبوا إلى عالمٍ آخر… عالمٍ يروننا منه، ولا نراهم. عالمٌ أظنه مريحًا… سنذهب إليه جميعًا يومًا ما. أما الآن… فليس علينا سوى الصبر، وها نحن… صابرون.