بنفسج

نوار اللوز.. يوم تزهر الأرض والبلاد

الإثنين 30 مارس

يوم الأرض
يوم الأرض

في مثل هذا اليوم، لا أحتاج إلى تقويم لأتذكّر، بل إننا لا نحتاج يومًا لنسميها أو نحتفل بها. الأرض نفسها تُنبّه قلبي، كأنها تدقّ عليه برفقٍ أولًا، ثم بإصرار، حتى أستيقظ على اسمها: البلاد، الاسم الذي يعرفه أهلها المرابطون فيها والمغتربون. يوم الأرض ليس ذكرى عابرة، بل هو ذلك الخيط الخفي الذي يشدّني من غيابي إلى حضورها، من البعد الثقيل إلى القرب الذي لا يُقاس بالمسافات.

منذ بدأت الحرب، لم أزر البلاد. لم أَمُرّ في طرقاتها التي تعرف وقع خطواتي، ولم ألمس حجارتها التي تحفظ حرارة الأكفّ. صارت المسافة بيني وبينها أكثر من جغرافيا، صارت امتحانًا يوميًا للذاكرة: كيف نحفظ المكان حين لا نراه؟ كيف نحمي صورته من التآكل ونحن نراه يُستهدف، يُغيّب، يُعاد رسمه بالقوة؟ كيف احفظ لهجتي وتقعر كلماتي وتموجاتها التي تشبه تلّوي أزقتها وبيوتها العتيقة. 

والبلاد لا تُرى بالعين فقط، بل تُستعاد بما يشبه الحنين المضيء. أغمض عينيّ، فأرى اللوز مزهرًا، تلك الأشجار التي كانت تباغتنا ببياضها فجأة، كأنها إعلان سرّي أن الحياة قادرة على الانتصار، ولو للحظة. "نوّار اللوز" لم يكن مجرد فصل، بل وعدًا. وعدًا بأن الأرض، مهما طال صمتها، تعرف متى تتكلّم.

أشتاق لذلك البياض، لا لشكله فحسب، بل لما كان يوقظه في داخلي. كان يعلّمني أن الأشياء الجميلة لا تحتاج إلى ضجيج، وأن الازدهار الحقيقي يحدث بصمتٍ عميق، يشبه الإيمان. اليوم، وأنا بعيدة، أتساءل: هل أزهرت أشجار اللوز هذا العام؟ هل تجرّأت على التفتح رغم كل ما يثقل السماء؟ أم أنها آثرت أن تؤجل فرحتها حتى يعود من غابوا، وحتى تهدأ الأرض من وجعها؟

يوم الأرض يأتي هذا العام مثقلًا بالأسئلة. ليس لأنه تغيّر، بل لأننا نحن الذين تغيّرنا. كنا نحتفل به ونحن نعرف الطريق إلى البلاد، نحفظ مواعيد السفر، نعدّ الأيام للزيارة. أما الآن، فقد صار الطريق نفسه حلمًا، وصارت الزيارة أمنية مؤجلة، نضعها في قلوبنا كما نضع الرسائل في زجاجات ونلقيها في بحر الانتظار.


اقرأ أيضًا: نور الهدى النبيه: أي ذاكرة أحملها وقد شهدتُ مقتل طفلاي؟


ومع ذلك، لا أشعر أنني بعيدة تمامًا. هناك شيء في هذه الأرض يرفض أن يُغادرنا، حتى لو غادرناها قسرًا. ربما هو ذلك الرابط الذي لا يُرى، لكنه أقوى من كل ما يُرى. حين أكتب عنها، أشعر أنني أعود إليها. حين أذكر أسماء قراها ومدنها، أشعر أنني أعبر طرقاتها. الكلمات، في مثل هذه اللحظات، تصبح وطنًا مؤقتًا، نحتمي به من الغياب.

أفكر في البلاد ككائن حيّ، يتنفس رغم كل شيء. تُثقل صدره الحروب، لكنه لا يتوقف عن التنفس. تُرهقه الخسارات، لكنه لا يفقد قدرته على النهوض. يوم الأرض ليس فقط تذكيرًا بما كان، بل تأكيدٌ على ما سيكون. الأرض التي تنبت اللوز، قادرة على أن تنبت الحياة من جديد، مهما طال الشتاء.

وفي داخلي، شيء يشبه اللوز أيضًا. شيء يرفض أن يذبل، رغم البعد، رغم القلق، رغم الأخبار التي تصلنا مثقلة بالحزن. هذا الشيء الصغير، الذي يشبه براعم اللوز الأولى، يهمس لي أن البلاد لا تُختصر في لحظة حرب، ولا تُختزل في صورة ألم. البلاد أوسع من ذلك، أعمق، وأبقى.

أكتب اليوم، لا لأرثي الغياب، بل لأقاومه. أكتب لأقول إنني ما زلت أرى البلاد كما عرفتها: حيّة، نابضة، قادرة على الإزهار. أكتب لأنني أؤمن أن الذاكرة ليست مجرد حفظٍ للماضي، بل هي فعل مقاومة، إبقاء للأشياء في مكانها الصحيح، رغم كل محاولات الإزاحة.

"نوّار اللوز" ليس مجرد عنوان، بل هو حالة. هو ذلك الإصرار على أن الأرض، مهما أُثقلت، ستزهر. وأننا، مهما ابتعدنا، سنبقى نبحث عن طريق العودة، حتى لو كان عبر الكلمات. في يوم الأرض، لا أملك أن أكون هناك، لكنني أملك أن أكون منها. وهذا، في زمن الغياب، شكل آخر من الحضور.

وكلما ضاق البعد في صدري، أتخيّل لحظة العودة كما لو أنها قريبة، لا يفصلني عنها سوى هذا الانتظار الثقيل. أتخيّل أنني أمشي بين الحقول، أمدّ يدي لألمس غصن لوزٍ مزهر، فأشعر أن البلاد تعرّفت إليّ من جديد ولم تنسني. أقول في سرّي إن الأرض التي تحفظ خطانا، لا يمكن أن تنكرنا مهما طال الغياب. وحين يحين ذلك اليوم، لن تكون العودة مجرّد وصول، بل اكتمال شيءٍ ظلّ ناقصًا في داخلي طوال الحرب. يومها فقط، سأفهم معنى أن تزهر الأرض والبلاد معًا، وأن الحنين، مهما طال، كان طريقًا خفيًا يقودني إليها.