بكل السبل، يسعى الاحتلال إلى وأد أي فرحة قد تطرق أبواب عائلات تنتظر بفارغ الصبر حرية أسيرها، عبر تجديد اعتقاله إداريًا؛ وهو اعتقال بلا سقف زمني، يبدأ غالبًا بأربعة أو ستة أشهر، ثم يتجدد مرة بعد أخرى، حتى تمتد مدته في بعض الحالات لسنوات طويلة. يشكّل تجديد الاعتقال الإداري جرحًا متجددًا لعائلات الأسرى، التي تعيش على أمل الحرية، خاصة مع اقتراب المناسبات الدينية مثل عيد الفطر. ففي الوقت الذي تُتم فيه العائلات استعداداتها لاستقبال أسيرها، وترسم في مخيلتها تفاصيل لحظة اللقاء المنتظرة، يأتي قرار التمديد ليبدد تلك الأحلام، ويترك خلفه صدمة وحزنًا عميقين.
ولا يكتفي الاحتلال باقتحام المنازل واعتقال أبنائها، بل يسخّر مختلف سياساته للتنغيص على الأسير وعائلته، عبر تمديد الاعتقال في اللحظات الأخيرة. وخلال شهر رمضان مؤخرًا، جددت سلطات الاحتلال اعتقال مئات الأسرى الفلسطينيين، حارمةً إياهم من قضاء ما تبقى من الشهر الفضيل بين عائلاتهم، ومبددة فرحة الأهل الذين كانوا يأملون بوجودهم بينهم في العيد.
وفي ظل ذلك، تتضاعف المناجاة والدعاء في الشهر الفضيل، إذ لا تنقطع دعوات الأمهات والزوجات طلبًا للفرج، أملاً في تخليص أبنائهن وأزواجهن من معاناة السجون، وتحقيق أمنية احتضانهم من جديد. تواصلت مع عدد من أمهات وزوجات الأسرى الذين جُدد اعتقالهم مؤخرًا، فعبّرن عن حزن عميق بعدما كنّ قد تجهزن لاستقبالهم. فقد أمضين الليالي في الترقب، وعددن الأيام والساعات للحظة اللقاء بعد غياب قسري طويل، على أمل أن يقضوا العيد معهم، لكن القرار جاء مخالفًا لتوقعاتهن، ليأتي العيد دونهم، بقرار من الاحتلال.
"اشتريت ملابس العيد وانتظرته"

والدة الأسير لؤي الرمحي من مخيم مخيم بلاطة في مدينة نابلس، تقول إنها تفاجأت بخبر تجديد الاعتقال الإداري لابنها، وشعرت بصدمة كبيرة، إذ كانت تتوقع الإفراج عنه بعد انتهاء فترة اعتقاله. وتضيف أنها كانت قد أعدّت كل شيء لاستقباله، حتى إنها اشترت له الملابس والعطر ليُزيّنه به أصدقاؤه لحظة خروجه من السجن.
إنه شعور قاسٍ لا يدركه إلا من ذاق مرارة الانتكاسة بعد طول انتظار. هذا ما عاشته أم لؤي، التي تتشبث بالأمل في كل مرة تنتهي فيها مدة التمديد، لعلها تكون الأخيرة. لكن رغم الحزن المتكرر، يبقى صبرها مستندًا إلى يقينها بالله، وإيمانها بأن بعد العسر يسرا، وأن القيد لا بد أن ينكسر.
اقرأ أيضًا: موت مرئي وآخر مغيب.. عن 776 جثمان يحتجزه الاحتلال
الأسير لؤي الرمحي معتقل إداري منذ 28 شهرًا. تقول والدته: "الحمد لله، ابني زلمة وجدع، معنوياته عالية وإرادته قوية. هكذا أعرفه، وهذا ما ينقله الأسرى المحررون عنه وكذلك المحامون. الله يرضى عليه ويكون معه ويصبره ويصبرني." وتضيف: "صعب جدًا… لا لرمضان بهجة ولا للعيد. كل مرة أسمع عن وضع الأسرى والأكل الذي يقدم لهم، لا يخطر ببالي الأكل. لؤي نزل وزنه كثير؛ بعدما كان 95 كيلوغرامًا صار اليوم نحو 60."
يحاول الاحتلال إماتة الأمل في نفوس الفلسطينيين، لكنهم يؤمنون بفرج الله، وبأن نهاية الصبر جبر عظيم. ومن أصعب اللحظات التي تمر على المعتقل الإداري وعائلته تلك التي تسبق انتهاء مدة الاعتقال الحالية؛ إذ قد ينتظر الاحتلال حتى اللحظة الأخيرة ليبلغ الأسير وذويه بقرار التمديد.
تحضير للإفراج ثم صدمة

هذا ما حدث مع عائلة الأسير المقعد عدنان حمارشة من بلدة يعبد جنوب غرب جنين. فقد انتظرت العائلة لساعات طويلة على حاجز الظاهرية قرب الخليل، الذي يبعد عن بلدتهم نحو ثلاث ساعات، حتى منتصف الليل، بعد أن أُبلغت بوجود قرار يقضي بعدم تمديد اعتقاله. لكن العائلة عادت إلى منزلها مثقلة بانكسار القلب ودموع ثقيلة، بعد أن تبيّن لاحقًا أن الاحتلال قرر تجديد اعتقاله.
وكان من المتوقع الإفراج عنه في اليوم الثاني من شهر رمضان، إلا أن الاحتلال أعاد السيناريو ذاته وجدد اعتقاله مرة أخرى. وقد علمت العائلة بالتمديد وهي تنتظر على الحاجز نفسه، عبر أسير محرر أخبرهم بالقرار. تقول زوجته أم عمر: "تفاجأت بخبر التمديد. كنت أظن أني لن أعود إلا وزوجي بجانبي. كنت قد أتممت كل الاستعدادات لاستقباله، وكنت أتخيل أن يقضي معنا شهر رمضان، ويصبح العيد عيدين بتحرره، لكن حصل ما لم يكن بالحسبان."
قضى حمارشة نحو ستة عشر عامًا متفرقة في سجون الاحتلال، فيما يقضي اعتقاله الإداري الحالي منذ 28 شهرًا، غيّبه خلالها الاحتلال عن كثير من المناسبات العائلية، من الأعياد إلى موائد الإفطار في شهر رمضان.
تمديد ثالث وقهر متجدد

الحال ذاته تعيشه عائلة الأسير يزن رضوان من بلدة عزون شرق قلقيلية، والذي يمكث في سجون الاحتلال منذ عام، وجاء التمديد الأخير ليضيف ستة أشهر جديدة إلى اعتقاله الإداري، في تمديده الثالث. تقول والدته: "خبر التمديد كان صدمة كبيرة. كنت متأملة إنه يروح. جهزت حالي وجهزت كل شيء له، واشتريت له الملابس والعطر حتى لما يلتقوا فيه الشباب يلبسوه ويجهزوه ويوصل على البيت مثل القمر… لكن كسروا خاطري."
إنها بالفعل "كسرة خاطر"، كما تصفها الأم. فانتظار الحبيب مرهق، والاشتياق لاحتضانه أثقل من أن يُحتمل. ولم تُخفِ أم يزن خوفها على ابنها بعد كل خبر يتحدث عن اقتحامات أو اعتداءات داخل السجون، إذ تقضي الليالي القلقة تفكر في حاله: هل يشعر بالبرد؟ هل يأكل ما يكفي؟ هل تعرض للضرب أو المرض؟ وكان أقصى ما تتمناه تلك العائلات أن تحتضن أبناءها الأسرى، وأن يقضوا العيد بينهم. لكن سياسات الاحتلال حالت دون ذلك.
"وكتيش بابا بدو يروح"

في بلدة بديا غرب سلفيت، يواصل الطفلان حنان وعز الدين سؤالهما المتكرر عن والدهما الأسير والناشط عبد الله شتات. يقضيان يومهما بالدعاء له، وأحيانًا بالبكاء اشتياقًا، ويستعيدان ذكرياتهما معه عبر الصور ومقاطع الفيديو التي أصبحت المنفذ الوحيد لرؤيته. تقول زوجته مدلين إنها تقف حائرة حين يسألها طفلاها: "هل سيكون بابا معنا قبل العيد؟"
قضى شتات في اعتقاله الحالي 28 شهرًا، وجدد الاحتلال اعتقاله أربعة أشهر إضافية، ما يعني أنه لن يتمكن من مشاركة أطفاله وزوجته الاستعدادات لعيد الفطر. وتصف مدلين قرار التمديد بالمفاجئ، مشيرة إلى أن الأخبار التي تصلهم عن وضعه قليلة، وكانت تتوقع أن يكتفي الاحتلال بالمدة التي قضاها.
سيأتي العيد، سيرتدي الأطفال ثيابهم الجديدة، وستصنع النساء كعك العيد، لكن الغصة سترافق تلك العائلات في كل لحظة… لأن مقعد الأسير سيبقى فارغًا على مائدة الفرح.
وتضيف: "نفتقده كثيرًا، خاصة في هذا الوقت الذي يفترض أن يكون بيننا في شهر رمضان، يجلس في مقعده على مائدة الإفطار، ويشتري ملابس العيد لأطفاله. لكن الحمد لله على كل شيء، نسأل الله أن يكون ذلك في ميزان حسناتنا، ويزداد خوفنا عليه في ظل الأوضاع التي يعيشها الأسرى داخل السجون؛ من نقص الملابس والأغطية، وسوء التغذية، وقلة الطعام، إلى الضرب والقمع بين الحين والآخر."
هكذا هي حال الأسرى وذويهم؛ تتعدد الأسماء والقصص، لكن الحقيقة واحدة: جميعهم يتوقون إلى الحرية، إلى اللحظة التي تطأ فيها أقدامهم خارج السجون بلا قيد ولا تعذيب. وفي المقابل، تقف عائلاتهم على أبواب الانتظار، تظلّلهم بالدعاء الذي لا ينقطع، ويقينٌ بأن الفرج آتٍ من الله. سيأتي العيد، سيرتدي الأطفال ثيابهم الجديدة، وستصنع النساء كعك العيد، لكن الغصة سترافق تلك العائلات في كل لحظة… لأن مقعد الأسير سيبقى فارغًا على مائدة الفرح.

