بنفسج

إرث الجهاد ترويه أزقة المخيم: عائلة الأسير أبو الهيجا

الأربعاء 22 ابريل

عائلة الشيخ جمال أبو الهيجا
عائلة الشيخ جمال أبو الهيجا

مرّت أربعة وعشرون عامًا، بين قسوة السجان وصلفه، وصبرٍ يزداد رسوخًا، ويقينٍ يضيء عتمة الانتظار. أربعة وعشرون عامًا ليست رقمًا مجرّدًا بالنسبة للشيخ الأسير جمال أبو الهيجا، ابن مخيم جنين، بل سنواتٌ أنهكه فيها الزمن ونالت منه الأعوام، لكنه بقي ثابتًا كجذعٍ تنبض جذوره بالإيمان والصبر. عقب اجتياح مخيم جنين عام ألفين واثنين، اعتقلت قوات الاحتلال الشيخ جمال أبو الهيجا، أحد قادة معركة المخيم، وحكمت عليه بالسجن تسعة مؤبدات وعشرين عامًا، بتهمة المشاركة في أعمال المقاومة، لتبدأ رحلة معاناة جديدة مع العائلة.

شيخ المخيم.. 24 عامًا في المعتقل

IMG-20260422-WA0011.jpg

خاض خلال سنوات الاعتقال الكثير من المعارك التي خاضتها الحركة الأسيرة في سبيل انتزاع المنجزات وتحقيق الحقوق، كما تعرّض لانتهاكات وتنكيل وقمع وعزل. ساجدة، الابنة الأصغر في العائلة والوحيدة التي لم تتعرض للاعتقال، تتحدث بيقين وصبر عن والدها، وتتوق لرؤيته مجددًا، إذ منع الاحتلال زيارات الأسرى التي كانت تروي ظمأ الشوق وتطفئ نار الانتظار، رغم قصر مدتها ومن خلف الزجاج.

وعن آخر المعلومات التي وصلت العائلة، تقول ساجدة: “منذ شهرين تقريبًا لا نعلم عنه شيئًا، كل ما نعرفه أنه في عزل جلبوع”. وأعربت عن خوفها وقلقها الشديدين على الحالة الصحية لوالدها، الذي تعرّض لإصابة بالرصاص المطاطي وضربٍ شديد تركز على منطقة الرأس خلال القمعة الأخيرة، بحسب ما وصل العائلة، والتي تدرك جيدًا أن ما يتعرض له الأسرى ما هو إلا موتٌ بطيء.


اقرأ أيضًا: مشروع قانون إعدام الأسرى: القصة كاملة


للشيخ جمال أربعة أولاد وابنتان، جلّهم تجرّعوا مرارة البعد، وعانوا من الاقتحامات المتكررة للمنزل والتنكيل والاعتقال وحرقه. كما ارتقى الابن القسامي حمزة شهيدًا عام ألفين وأربعة عشر، وكان في الصفوف الأولى عند كل اقتحام.

أما الزوجة الصابرة، “الخالة أم العبد”، فقد كانت مثالًا للعطاء، إذ كان منزلها مشرعًا أمام كل من يقصده. ورغم كل الابتلاءات التي تعرضت لها، من اعتقال زوجها ثم اعتقالها، وتوالي اعتقالات أبنائها، واقتحام منزلها وتخريب محتوياته، والتهديدات المتلاحقة، صبرت ولم تهن. كما صبرت على إصابتها بمرض السرطان، وبقيت تقاوم حتى الرمق الأخير، حيث توفاها الله عام ألفين وخمسة وعشرين.

بنان: الابنة البكر

IMG-20260422-WA0013.jpg

ومع شنّ قوات الاحتلال عملية عسكرية على مخيمات شمال الضفة منذ عامٍ وأربعة شهور، تعيش عائلات أبناء الشيخ رحلة معاناة جديدة، إذ نزحت إلى أماكن أخرى بعد إجبارهم على الخروج من منازلهم، التي لا يعلمون عن حالها شيئًا حتى اللحظة، فالوصول إليها ممنوع بقوة السلاح. في الوقت الذي يُغيّب فيه الاحتلال اثنين من أبناء الشيخ أبو الهيجا، تقبع ابنته بنان في سجن الدامون، بعد أن اعتُقلت على أحد الحواجز قبل نحو عام، أثناء عودتها من زيارة والدتها في المستشفى، حيث كانت ترافقها طوال فترة علاجها.

وسبق أن تعرضت بنان للاعتقال لمدة أربعة وعشرين يومًا قضتها في التحقيق. تقول ساجدة: “ما بنعرف عن بنان إشي من شهرين تقريبًا بسبب منع الاحتلال المحامين من الزيارة”. اعتقال بنان ترك أثرًا بالغ القسوة على أبنائها وحياتهم اليومية. لديها ثلاث بنات وولد، أصغرهم طفلة تبلغ خمس سنوات، يفتقدونها في كل تفاصيل يومهم، ويسألون عنها باستمرار، مترقبين لحظة لقائها بفارغ الصبر الممزوج بالألم، في ظل واقع لا يراعي فيه الاحتلال أي ظروف إنسانية.

على ذات النهج

IMG-20260422-WA0010.jpg

تحدثتُ مع زوجات أبناء الشيخ جمال عن ظروف اعتقال أزواجهن ومعاناتهن والانتظار، وسألتُهن عن حالهن في ظل وجود أطفال ومسؤوليات مضاعفة، في واقعٍ يُهدد فيه رب الأسرة بالاعتقال في كل لحظة. فكنّ نموذجًا للصبر وصون العهد، وغرس العقيدة في نفوس الأبناء، وزرع حب الوطن والمقاومة. تستعيد السيدة مريم ذاكرتها قبل نحو أربعة أعوام، حين اعتقلت قوات خاصة زوجها الأسير عبد السلام (41 عامًا)، الابن البكر للشيخ، من مكان عمله، وأصدر الاحتلال بحقه أحكامًا إدارية متتالية، شارفت على أربعة أعوام في السجون.

ارتبطت مريم بعبد السلام عام 2011، وأنجبا ثلاثة أطفال: جمال، عز، وحمزة. وخلال حياتهما، تعرّض الزوج للاعتقال سبعة أعوام، علمًا أنه سبق واعتُقل سبعة أعوام أخرى قبل ارتباطهما. راضية محتسبة، تمضي مريم في تربية أبنائها، صابرة على أعباء الحياة، مترقبة لحظة حرية زوجها. وتضيف: “آخر رسالة كانت في شهر 2، طمّنّا عنه وأنه في سجن النقب، وصحته بدأت تتحسن بعد إصابته بمرض السكابيوس، حيث وصل وزنه إلى 48 كيلو”.

وبحسب ما نقل المحامي، عانى عبد السلام من المرض بشدة، ولم يذق طعم النوم لثلاثة شهور، في واحدة من أقسى التجارب التي مر بها. كحالها من زوجات الأسرى، تتخوف مريم على مصير زوجها، خاصة بعد الحديث عن قرارات تتعلق بإعدام الأسرى، ما زاد من حالة القلق والترقب في ظل شح المعلومات ومنع زيارات المحامين.


اقرأ أيضًا: مشانق معلقة في صدور الأمهات: الأسيرة المحررة وأم الأسيرين


أما عاصم (39 عامًا)، فقد اعتُقل من منزله في حي الجابريات في جنين منتصف عام ألفين وثلاثة وعشرين، بعد تكسير وتدمير محتوياته، والتنكيل به، وذلك بعد أقل من خمسة شهور من تحرره. تقول زوجته فداء صلاح إن مجموع ما قضاه زوجها في الأسر بلغ ثمانية أعوام، لكنها تصف هذا الاعتقال بالأطول والأصعب، نظرًا لما يتعرض له الأسرى من قمع وتنكيل.

ومع كل انتهاء للاعتقال الإداري، يُقدم الاحتلال على تجديده، ليبقيه في دائرة الغياب القسري دون أفق واضح، إذ وصل مجموع اعتقاله الأخير إلى نحو ثلاث سنوات. لعاصم ثلاثة أطفال، أصغرهم محمد، الذي أبصر الحياة في ظل غياب والده، ولم يسمع الأذان بصوته، فيما لم يعرف الأب عن ابنه شيئًا، في ظل انقطاع التواصل، في مشهد يعكس قسوة الواقع.

تقول فداء: “وصلنا أنه بعاني من وجع في ظهره وعيونه، قلقنا زاد كثير، خصوصًا مع انقطاع الاتصال… إحساس العجز أكبر من الخوف لأننا مش قادرين نعمل إشي”. وتطالب بوقف الإجراءات الجائرة بحق الأسرى، راجية لقاءً قريبًا يعيد شمل العائلة.

أم العبد "جبل المحامل"

IMG-20260422-WA0012.jpg

أما الابن الرابع، عماد الدين، فهو معتقل لدى أجهزة السلطة الفلسطينية منذ أربعة شهور، رغم صدور قرار بالإفراج عنه. في بداية عام 2022، اعتقلته قوات الاحتلال لمدة عامين إداريًا، وبعد ثمانية شهور من الإفراج عنه، أعادت أجهزة السلطة اعتقاله عقب اقتحام منزل صديقه. ومنذ عامٍ وأربعة شهور، لم يُتح لأطفاله الخمسة رؤيته سوى مرتين، بحسب زوجته دانيا قبها. تجرّع عماد مرارة “الباب الدوار”، بين اعتقال الاحتلال والسلطة، فقضى ما مجموعه سنتين ونصف لدى أجهزة السلطة، وسبعة أعوام في سجون الاحتلال.

وتصف دانيا بحسرة اللحظة التي توفيت فيها والدته “أم العبد”، إذ مُنع من وداعها أو المشاركة في دفنها، رغم محاولات العائلة. كما أكدت تعرضه للتعذيب والشبح، ويتواجد حاليًا في سجن الجنيد في نابلس. وتخشى العائلة عليه، خاصة أنه يعاني من مشاكل في الظهر والربو، إضافة إلى إصابات سابقة في يديه وفكه. وتطالب دانيا بالإفراج الفوري عنه، مشيرة إلى أن طفلته الصغرى “يقين” لم يعلم بولادتها إلا بعد ثلاثة أسابيع، عبر مكالمة لم تتجاوز الدقيقة. ما يزيد من معاناة زوجات الأبناء، أنهن نازحات مع أطفالهن دون معيل، إضافة إلى قطع رواتب أزواجهن.

تُعد عائلة الشيخ جمال أبو الهيجا نموذجًا للعائلات الفلسطينية الصابرة، الراسخة على مبادئها، إذ قدّمت الغالي والنفيس، ودفعت أثمانًا باهظة، لكنها ما زالت تتمسك بالأمل، وتنتظر لحظة الحرية.