تمضي الأيام يا أمي… ويقترب اللقاء، هكذا قد تبدأ الرسائل القادمة من السماء، لو أذن الله لشهدائنا الأطفال أن يطرقوا أبواب قلوبنا صباح العيد، لا ليزيدوا وجعنا، بل ليخففوا عن أمهاتهم اللواتي أثقلهن الغياب، وليخبروا العالم أن أرواحهم الصغيرة لم تمت، وإنما سبقتنا إلى الجنة.
في كل عيد، كانت الأمهات يتهيأن لأطفالهن؛ يخبئن لهم الملابس الجديدة تحت الوسائد، يسرحن شعورهم قبل صلاة العيد، يلتقطن الصور، ويملأن البيوت تكبيرًا وضحكات. لكن في غزة، وفي فلسطين كلها، صار العيد يمر على كثير من الأمهات وهن يفتحن خزائن أبنائهن فلا يجدن إلا رائحةً عالقة في القماش، أو لعبةً بقيت في زاوية الغرفة، أو سريرًا صغيرًا ما زال يحتفظ بتجاعيد آخر نومة.
ماذا لو عادوا؟

ماذا لو عادوا للحظة؟ ماذا لو عايدتنا الطفلة الشهيدة هند؟ قد تأتي بثوبها الأبيض، وابتسامتها الهادئة، وتمسك بيد أمها قائلة: "لا تبكي كثيرًا يا أمي، أنا بخير… بخير جدًا. هنا لا خوف ولا قصف ولا برد. هنا لا نستيقظ على أصوات الصواريخ، ولا نركض مذعورين من بيت إلى خيمة. هنا رحمة الله واسعة جدًا يا أمي”.
ربما كانت هند ستخبر أمها أن الله عوّض خوفها أمنًا، ودمعتها فرحًا، ووحدتها أنسًا، وأن الأطفال الشهداء يلعبون الآن تحت ظل رحمة الله، لا يحملون وجعًا ولا جوعًا ولا ألمًا. ثم يأتي الطفل الشهيد يوسف، يقترب من أمه التي أنهكها الحنين، ويهمس لقلبها: "لو تعلمي ماذا أعدّ الله لك يا أمي… لهان عليك الفراق”.
جرح لا يطيب

كم أمٍّ تحتاج أن تسمع هذه الجملة في ليلة عيد؟ كم أمٍّ تخفي دمعتها حتى لا يراها أطفالها الآخرون؟ كم أمٍّ تجلس بصمت، تمرر أصابعها على صور ابنها الشهيد، ثم تنهار حين تتذكر أن العيد سيأتي ناقصًا؟
لكن يوسف الطفل الذي رحل باكرًا، قد يقول لها: “يا أمي، لا تحزني لأنني سبقتك إلى الجنة، فموعدنا قريب عند الله، وكل هذا التعب سيمضي، وكل هذا الفقد سيصبح ذكرى بعيدة حين نجتمع هناك”.
اشتاقك أمي

أما الطفل خالد، فقد يجلس قرب نافذة البيت التي اعتاد مراقبة العيد منها، ويقول لأمه بصوت يشبه الحنين: “وأنا أيضًا أشتاق… كانت أعيادنا جميلة، ولكنها دنيا يا أمي”. نعم، حتى الأطفال الشهداء يشتاقون. يشتاقون لأيدي أمهاتهم، لرائحة الخبز صباح العيد، لملابسهم الجديدة، للعيدية الصغيرة، لتلك التفاصيل التي كنا نظنها عادية، فإذا بها أعظم ما نملك.
ربما كان خالد سيقول لأمه: “أتذكرين حين كنت أركض فرحًا بالحذاء الجديد؟ أتذكرين ضحكاتنا ليلة العيد؟ لا تحزني يا أمي، فقد أخذ الله منا شيئًا لنمنح شيئًا أعظم، أخذ أعمارنا القصيرة ومنحنا الحياة الأبدية”.
أطفال في السماء

ثم تأتي الطفلة ريم، “روح الروح”، تلك التي اختصرت الحكاية كلها بجملة واحدة: “في كنف الله أنا، وفي حفظ الله أنت… فيا فوز الفريقين”. أي يقين هذا الذي يجعل طفلةً صغيرة تطمئن قلب أمها من السماء؟ وأي إيمان ذاك الذي يجعل الشهداء مواسين لأهلهم بدل أن يكونوا سببًا لانكسارهم؟ ريم لا تقول لأمها إن الفقد سهل ولا إن الغياب لا يؤلم، لكنها تهمس لها بأن الله لا يخذل القلوب الصابرة، وأن اللقاء الحقيقي لم يُلغَ، بل تأجل فقط.
في غزة لا يشبه العيد أي عيد، هناك أمهات يخبزن الكعك وقلوبهن مكسورة، وآباء يخفون دموعهم عن أطفالهم، وأشقاء يتركون مقاعد فارغة على موائد العيد، كأن أصحابها سيعودون بعد قليل.
أحبك أمي

لكن الشهداء الأطفال، لو عايدونا، لما طلبوا منا الغرق في الحزن، بل الثبات. لما أرادوا لصورهم أن تكون بوابة للبكاء فقط، بل نافذة للأمل واليقين بالله. سيقولون لنا: "لا تنسونا من الدعاء، ولا تنسوا أن هذه الأرض تستحق كل هذا الصبر، وأن الله يرى كل شيء، يسمع بكاء الأمهات، ويرى القلوب التي احترقت من الفقد، وسيجبرها يومًا جبرًا يليق بعظمته”.
وفي صباح العيد، حين تضيق القلوب من ثقل الغياب، لعلنا نتذكر أن أطفالنا الشهداء ليسوا وحدهم، وأن الله الذي اختارهم إليه، لن يترك أهلهم دون رحمة أو سكينة.
فيا رب، اربط على قلوب الأمهات اللواتي يدخلن العيد بأذرع فارغة وقلوب مثقلة، ويا رب، اجعل شهداءنا الأطفال شفعاء لأهلهم، واجمعهم بمن يحبون في مستقر رحمتك، حيث لا فراق ولا خوف ولا وجع، وحيث العيد الحقيقي الذي لا ينتهي.

