في السابع عشر من نيسان، يوم الأسير، لا أتحدث عن أرقام أو تواريخ، بل عن عمرٍ مضى وأنا أنتظر. وُلدتُ، وبعد شهرين فقط، أُغلق الباب الحديدي بيني وبين والدي. لم أكن أعلم أن هذا الباب سيحجب عني دفء حضنه لسنوات طويلة.
كبرتُ وأنا أحدّق في صورته المعلّقة فوق سريري، أسألها: كيف يكون ملمس يده حين تمسك يدي وأنا أخطو خطواتي الأولى؟ أنهيتُ مرحلة رياض الأطفال، تلك المرحلة الملوّنة من طفولتي، وبينما كان الأطفال يعودون إلى آبائهم ليحكوا لهم ما تعلّموه، كنتُ أعود لأحكي لصورتك بصمت. بدأت رحلتي المدرسية، وفي كل طابور صباحي، وفي كل مرة يُطلب فيها “توقيع وليّ الأمر”، كان غيابك يملأ المكان أكثر من حضور الجميع.
في كل عام، حين تشتعل شموع عيد ميلادي، كانت لي أمنية واحدة تتكرر: “يا رب، ليحضر أبي هذه المرة.” لم أكن أريد هدايا أو ألعابًا، بل كنت أريد فقط أن أسمع: “كل عام وأنتِ بخير” بصوتك، لا من وراء زجاج بارد، ولا عبر رسالة مهربة.
في رمضان، كانت مائدة الإفطار تروي غيابك قبل أن نبدأ الطعام. كنت أنظر إلى الكرسي الفارغ وأتخيلك جالسًا معنا، أتخيل كيف سأوقظك للسحور، وكيف سندعو معًا عند الفجر. كان دعاؤنا يبدأ باسمك، فغصّة غيابك كانت تسبق شربة الماء.
أما الأعياد، فكانت اختبارًا قاسيًا لقلبي الصغير. تكبيرات العيد كانت توقظ فيّ فخرًا بك، لكنها في الوقت ذاته تُشعل حزنًا عميقًا؛ فكل الأطفال يمسكون بأيدي آبائهم، إلا أنا، كانت يدي تمسك طيفك فقط. حتى ثوب العيد لم يكن يبهجني كما يبهج الآخرين، لأن العيد الحقيقي بالنسبة لي لم يكن يومًا في التقويم، بل يوم عودتك.
كبرتُ وأنا أدرك أن العيد ليس كعكًا ولا ثيابًا جديدة، بل هو وجودك بيننا. غيابك علّمني أن الفرح الحقيقي يُنتزع من بين براثن القيد، وأن أثمن “عيدية” هي أن يُفتح باب البيت لتدخل منه. “يا أبي، في كل عيد مرّ وأنت في عتمة الزنزانة، كنتُ أصنع من خيالي وطنًا يجمعنا حول مائدة واحدة، بلا سجان ولا قضبان، وطنًا يكون فيه حضنك هو العيد.”
اقرأ أيضًا: إرث الجهاد ترويه أزقة المخيم: عائلة الأسير أبو الهيجا
في كل مرة كنت تعود فيها، لم تكن قدماي تلامسان الأرض. كنت أركض بكل ما فيّ من شوق، أركض لأستعيد ما سرقته السنوات. وفي اللحظة التي أرتمي فيها في حضنك، كان العالم يتوقف؛ يختفي ضجيج السجن، وتتلاشى برودة الأسلاك، وأعود طفلة لم تشبع يومًا من رائحة أبيها.
لم يكن ذلك الحضن مجرد لقاء، بل كان محاولة لترميم كل عيد ميلاد مرّ دونك، وكل شهادة مدرسية لم توقّعها بيدك. كنت أتشبث بك كأنني أحاول إيقاف الزمن، خوفًا من أن تمتد يد الغياب مرة أخرى وتسرقك مني. في حضنك فقط، كنت أشعر أنني طفلة حقًا، وأن لي سندًا يملأ الكون أمانًا.
أنا اليوم لست مجرد طفلة كبرت بعيدًا عن والدها، بل شاهدة على تضحية، وعلى وجع لا تصفه الكلمات. غياب والدي لم يكسرني، لكنه علّمني أن الحرية ليست كلمة، بل لحظة أعود فيها إلى حضنه، وأعوض كل تلك السنوات. “يا أبي، المقعد الذي تركته فارغًا في حفل تخرجي، وفي زوايا البيت، وفي أعياد ميلادي، سيبقى ينتظرك… لأن طفلتك التي كبرت لا تزال تنتظر حضنك الأول.”

