بنفسج

ما وراء خبر اعتقالي: في البوسطة ثم الدامون

السبت 25 ابريل

الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال

فُتح باب “البوسطة” بخشونة، وقال “النحشون” بلكنة عربية ثقيلة: تعالي.. زحفتُ على الكرسي الضيق الذي لا يتسع إلا لشخصين، حتى أصبحت أمام الباب. دلّيت ساقيّ المكبلتين خارجه حتى وطئت الأرض، ثم أنزلت جسدي المثقل بالآلام. كانت مفاصلي متيبسة جدًا، لا أقوى على الحركة. سحبني “النحشون” من قيود يدي بعنف، فتماسكتُ مجبرة نفسي على السير كي لا أفقد توازني وأسقط أرضًا. مشيت بخطوات بطيئة قصيرة، وأحسست بالقيود المعدنية تنهش ساقيّ، حتى خُيّل إليّ أنها أدمتهما.

مالت الشمس نحو المغيب حين أدخلوني عبر بوابة كبيرة مُسحت تفاصيلها من ذاكرتي، ثم بوابة أخرى أصغر، فباب معدني سميك أزرق اللون. أدخلوني من خلاله، وهناك سجان ببدلة كحلية فك قيودي واستبدلها بأخرى أخرجها من جيبه، ثم ناولها للمرافق، وأُغلق الباب خلفهم بإحكام، وتوالت أصوات الأقفال. حاصرتني الأفكار القاتمة. نظرت حولي بتوجس: زنزانة ضيقة، معتمة، لا شيء فيها سوى سرير معدني أزرق صدئ بطابقين، بلا فراش. جلست على السرير السفلي، باردًا صلبًا كأنما يخلو من أي حياة.

اقتادتني سجانتان إلى غرفة أخرى. مررت إحداهما جهاز التفتيش على جسدي، ثم أمرتني بخلع ملابسي. رفضت، فهددتني، وانتزعت حجابي بعنف. صرخت مطالبة به، لكن دون جدوى. أُجبرت تحت التهديد على الامتثال، وكلما تباطأت هدّدتا بإدخال السجانين. كان التفتيش العاري أقسى ما مررت به؛ شعور قاسٍ بالخزي والذل، كأن كرامتي تُذبح أمامي.

لم تمضِ دقائق حتى فُتح الباب، وأمرني سجان بالاقتراب، فامتثلت. اقتادتني سجانة ممسكة بقيود يدي، بينما تبعنا سجان إلى غرفة شديدة البرودة. التُقطت لي صور من زوايا عدة وخلفي علم الاحتلال، ثم وُضعت أمامي أوراق بالعبرية وأُمرت بالتوقيع. مررت بعدها على غرف أخرى، حتى انتهيت إلى غرفة دافئة، جلس فيها رجل خلف مكتب كبير، طرح عليّ أسئلة عديدة، ثم ختم حديثه بالعربية: “انتبهي لنفسك والتزمي بالتعليمات… لا نريد مشاكل هنا، وأنا جاهز إذا أردتِ أن تخبريني بشيء”.

علمت لاحقًا أنه ضابط الشاباك المسؤول عن سجن الدامون. اقتادتني سجانتان إلى غرفة أخرى. مررت إحداهما جهاز التفتيش على جسدي، ثم أمرتني بخلع ملابسي. رفضت، فهددتني، وانتزعت حجابي بعنف. صرخت مطالبة به، لكن دون جدوى. أُجبرت تحت التهديد على الامتثال، وكلما تباطأت هدّدتا بإدخال السجانين. كان التفتيش العاري أقسى ما مررت به؛ شعور قاسٍ بالخزي والذل، كأن كرامتي تُذبح أمامي.

ما إن انتهى الأمر حتى سارعت بارتداء ملابسي، ألهث لأستعيد شيئًا من نفسي. أعادت إحداهما القيود، وسحبتني الأخرى عبر بوابات عدة، حتى وصلت إلى ممر طويل معتم تصطف على جانبه أبواب زرقاء سميكة. لم أكن أفهم ما يجري. ومن نهاية الممر، رأيت فتاتين تتقدمان نحوي، ترتديان سترات بنية كتب عليها “شاباص”. ارتبكت: ليستا سجانتين، فمن تكونان؟ لفت انتباهي حجاب إحداهما. تسارعت دقات قلبي. يا إلهي… فتاة محجبة مثلي!


اقرأ أيضًا: قاصرات وحوامل وولادة خلف القضبان: إلى أمتنا الممتدة


انهرت بالبكاء. اقتربتا، وعانقتني المحجبة قائلة: “لا تخافي، أنتِ بأمان بيننا… هذا قسم الأسيرات في سجن الدامون”. لن أنسى شهد عصافرة ما حييت. مرّتاني على نوافذ الغرف الصغيرة، حيث تكدست الأسيرات خلفها، يحيينني ويذكرن أسماءهن ومناطقهن. كنت مشوشة إلى حد لم أستطع معه تذكر شيء. سألت فقط عن آية الخطيب وشاتيلا أبو عيادة، وكنت أعرفهما مسبقًا. كما رأيت المحامية ديالا عايش، التي اعتُقلت قبلي بعشرة أيام.

انهالت الأسئلة عن الخارج: غزة، الضفة، الحرب… أجبت على عجل، قبل أن تصحباني للاستحمام قبل “العدد”. أعطتني إحداهما ملابس نظيفة وشامبو: “من ملابس الأسيرات، خذي راحتك”. اغتسلت سريعًا، وارتديت الملابس، ثم علا صراخ السجّانين: “عدد!”. لم أكن أعلم آنذاك معنى الكلمة. أدخلوني الغرفة رقم (10)، وأُغلق الباب خلفي. وجدت نفسي بين تسع أسيرات، من أعمار وقصص مختلفة. وهناك… بدأت مرحلة جديدة. في زنزانة ضيقة، باردة، معتمة… خلف القضبان.

لم أكن أظن يومًا أنها ستطول، ولا أنني سأصبر، وأقاوم السجن والسجّان.