منذ عام 1948، لم يكن الاعتقال في الحالة الفلسطينية إجراءً أمنيًا محدودًا، بل شكّل أحد أعمدة البنية الاستعمارية، وأداة مركزية لإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني وضبطه. خلال المرحلة الممتدة بين 1948 و1967، اعتمدت سلطات الاحتلال على نظام الطوارئ الذي ورثته عن الانتداب البريطاني، ما أتاح اعتقال ما يقارب 100 ألف فلسطيني ضمن هذا الإطار.
ومع احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، دخل الاعتقال طورًا جديدًا من التوسع في شكله وبنيته، إذ لم يعد موجّهًا فقط ضد الفاعلين السياسيين، بل تحوّل إلى سياسة شاملة تستهدف المجتمع الفلسطيني بمختلف مكوناته. وتشير تقديرات منظمات غير حكومية إلى أن نحو مليون فلسطيني تعرّضوا للاعتقال بين عامي 1967 و2021، من بينهم أكثر من 16 ألف امرأة، ما يعكس اتساع نطاق هذه الأداة وتحولها إلى تجربة جمعية متكررة.
بهذا المعنى، أصبح الاعتقال آلية لإنتاج واقع اجتماعي جديد، يعيد تشكيل الذاكرة الجماعية والعلاقات العائلية والبنية النفسية، بحيث تغدو تجربة السجن جزءًا من السيرة الحياتية داخل المجتمع، لا حدثًا طارئًا.
التجارب الأولى للاعتقال

في المرحلة الأولى، اتسمت السجون بطابع قمعي فج، سعى إلى فرض سيطرة المستعمر الجديد، وامتد حضوره العنيف إلى داخل السجون. غابت أنماط التنظيم الداخلي، وانعدمت إمكانية الاستقرار، فكانت السجون فضاءات مفتوحة لممارسة السيطرة المباشرة. بالنسبة للنساء، لم تكن هناك منظومة أسر نسائية رسمية قبل عام 1967، بل اعتقالات متفرقة يصعب توثيقها لغياب الأرشفة. وبعد عام 1967، بدأت أسماء الأسيرات تظهر بشكل موثق، مثل: فاطمة برناوي، لينا النابلسي، فدوى البرغوثي، ليلى خالد، عائشة عودة وغيرهن.
تشير الشهادات إلى أن الاعتقال كان أداة لتفكيك الذات الإنسانية عبر التعذيب والعزل والإذلال المستمر. لم يكن الزمن داخل السجن قابلًا للإدارة، بل امتدادًا للعنف الخارجي، وكان الهدف البنيوي هو كسر الإنسان. مع تصاعد الحراك الفلسطيني، خاصة خلال الانتفاضة الأولى (1987–1993)، بدأت ملامح تحول تدريجي داخل السجون، نتيجة ضغط الحركة الأسيرة من الداخل، وانضمام معتقلين جدد، وتغيّر أنماط إدارة السجون.
لم يختفِ العنف، لكنه أُعيد تنظيمه، ما أتاح هوامش محدودة للفعل. ضمن هذه الهوامش، أعادت الأسيرات تشكيل الزمن داخل السجن، عبر التعليم الذاتي، وتنظيم الأنشطة الثقافية والدينية، وبناء شبكات دعم اجتماعي. لم تكن هذه الممارسات مجرد أنشطة، بل أدوات لإعادة إنتاج الذات الجماعية ومقاومة التفكك. ورغم القمع، فُرضت هذه الإنجازات بفعل الصمود، وساهم تضامن الأسرى في تحسين ظروف الأسيرات وانتزاع بعض الحقوق.
ما بعد 2019: تراجع الهوامش

استمر هذا النمط خلال العقدين التاليين، حيث تحوّل السجن، رغم قسوته، إلى مساحة لإنتاج المعنى. كما برزت ممارسات تتحدى القيود، مثل التعليم، والتطريز، والحفاظ على الروابط الإنسانية، بل وحتى الزواج والإنجاب بوسائل استثنائية، في مواجهة محاولات قطع الاستمرارية الزمنية للحياة.
ابتداءً من عام 2019، بدأت مرحلة جديدة اتسمت بتراجع الهوامش التي سمحت سابقًا بإنتاج الحياة داخل السجن. تصاعدت السياسات التشددية، وتفككت البنية التنظيمية الداخلية تحت ضغط الإجراءات القمعية.
أصبحت الأنشطة الجماعية أكثر هشاشة، وتعرضت للتقييد المستمر، مع تصاعد التفتيش والعقوبات الجماعية والتضييق. لم يختفِ الفعل الجماعي، لكنه أصبح مهددًا في أي لحظة، ما خلق حالة من عدم اليقين داخل السجن.
ورغم ذلك، شهد مطلع عام 2023 انفراجة نسبية في ظروف الأسيرات، تمثلت في وقت أطول خارج الزنازين وفرص أكبر للأنشطة، إلا أن هذه المرحلة لم تدم طويلًا، إذ تغير كل شيء بعد السابع من أكتوبر 2023.
ما بعد 7 أكتوبر 2023: السجن كبيئة استنزاف شامل

يشكّل هذا التاريخ نقطة قطيعة حادة، حيث تحولت السجون من نمط السيطرة المنظمة إلى نمط استنزاف شامل. خلال فترة قصيرة، اعتُقلت أكثر من 650 امرأة فلسطينية، معظمهن ضمن الاعتقال الإداري أو بتهم تتعلق بالنشر على وسائل التواصل. تصاعدت الممارسات القمعية بشكل غير مسبوق، بما في ذلك العزل المطوّل، منع الزيارات، تعطيل الوصول القانوني، التعذيب، التفتيش العاري، التهديد، التجويع، والحرمان من العلاج.
لم يعد السجن مجرد أداة ضبط، بل بيئة تهدف إلى إنهاك الجسد والنفس، وتفكيك كل مقومات الاستقرار، وتحويل الحياة إلى حالة دائمة من التهديد. تراجعت الإنجازات التي حققتها الحركة الأسيرة، وعادت الظروف إلى مستويات أدنى من المراحل الأولى، بل أصبحت أكثر قسوة. كما أدى انعدام الوسائل المعرفية إلى ما وصفته الأسيرات بـ”الزمن الفارغ”، حيث تفقد الأيام معناها، ويتحوّل الوجود إلى مجرد تحمّل.
اقرأ أيضًا: مشانق معلقة في صدور الأمهات: الأسيرة المحررة وأم الأسيرين
في هذا التحول، لم يعد استهداف الجسد مجرد إكراه مادي، بل أصبح أداة لاختراق البنية الاجتماعية والثقافية، خصوصًا في مجتمع محافظ. تشمل هذه الممارسات التفتيش العاري المتكرر والإجراءات التي تمس الخصوصية الجسدية والرمزية. لا يُفهم هذا الاستهداف كممارسة عقابية فحسب، بل كإعادة تشكيل قسرية لعلاقة الأسيرة بجسدها وهويتها، بما في ذلك المساس بالرموز الدينية والاجتماعية كالحجاب، بهدف تقويض صمودها النفسي.
في السياق الراهن، لم يعد الصمود فعلًا منتجًا للمعنى كما في السابق، بل أصبح قدرة على البقاء ومنع الانهيار. لم يعد مرتبطًا بالفعل الجماعي، بل بإدارة الفرد لذاته ومشاعره في بيئة تضيق فيها إمكانيات الفعل. هذا التحول لا يعكس ضعف الإرادة، بل نفي شروط الحياة داخل السجن، حيث يصبح البقاء بحد ذاته شكلًا مكثفًا من المقاومة.
في يوم الأسير الفلسطيني، تصبح هذه القراءة ضرورة لفهم ما وراء الأرقام: ليس عدد الأسيرات هو الأهم، بل كيف يعشن داخل السجن، وكيف أُعيد تعريف معنى النجاة في ظل هذه الظروف.

