"وإنما الصبر أجرٌ عظيم يُثاب عليه المرء بلا حدّ ولا عدّ"، تستحضر نور حسام الدين أبو ريالة، زوجةُ الأسير مجاهد محمد مزيد من قرية تلفيت جنوب نابلس، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، لتجعل من هذه الآية نورًا تهتدي به وسط عتمة الغياب، ومنهجًا تتكئ عليه كلما اشتدّ بها الألم وضاقت بها الحياة.
ورغم صغر سنّها، تبدو نور امرأة مثقلة بالتجارب، لكنها ثابتة، صابرة، محتسبة. في كلماتها تتجلّى معاني الإيمان والتسليم، وتحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تغرس هذه المعاني في قلب طفلها الوحيد محمد أمين، الذي أتمّ عامه الخامس مؤخرًا، بعيدًا عن أبيه المغيّب قسرًا خلف قضبان الأسر، والذي لم يحظَ معه سوى بذكرى ميلاده الأول.
اعتقال وتهديد بالقتل

تعود نور بذاكرتها إلى ما قبل ثلاثة أعوام، وتحديدًا إلى ليلة الحادي والعشرين من ديسمبر/كانون الأول عام 2022، حين اقتحمت قوة إسرائيلية خاصة منزل عائلتها في الجبل الشمالي بمدينة نابلس، حيث كانت برفقة زوجها في زيارة عائلية. تروي تلك الليلة وكأنها ما زالت تحدث أمام عينيها؛ فالقوة حاصرت المنزل وأغلقت المنطقة بالكامل قبل أن تقتحمه بعنف وهمجية.
تقول إن الجنود اعتقلوا زوجها مجاهد، البالغ من العمر 28 عامًا، بطريقة قاسية، كما اعتدوا عليها وعلى والدتها، وهددوا بقتل الأطفال أمامهن إن لم يسلّمن الهاتف المحمول الخاص بمجاهد. في تلك اللحظات كان طفلها محمد أمين لا يزال في عامه ونصفه الأول. وتضيف نور: "الاحتلال قال لمجاهد بعد اعتقاله إنهم كانوا جايين يصفّوه، ولولا لطف الله وإنه والدتي طلعت أول إشي بوجههم، كانوا قتلوه".
اقرأ أيضًا: يا أبي الأسير.. كبرت وما زالت طفلتك تنتظر حضنك الأول
ومنذ ذلك اليوم، ما يزال مجاهد موقوفًا بانتظار حكم قد يتراوح بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة، بحسب ما تؤكد زوجته، التي عاهدت نفسها على انتظاره مهما طال الغياب ومهما أثقلها الوجع. في منتصف عام 2020، تزوج مجاهد ونور، ورُزقا بعد فترة قصيرة بطفلهما محمد أمين. كانت حياتهما، كما تصفها، بسيطة ودافئة ومليئة بالمحبة والأحلام الصغيرة، لكنّ كل شيء تبدّل فجأة بعد الاعتقال.
تقول بحسرة: "تزوجنا بشهر 6/2020، وتم اعتقاله بشهر 12/2022، يعني فترة الغياب صارت أكثر من الفترة اللي عشناها مع بعض، إحنا داخلين السنة الثالثة من الانقطاع التام، لا صوت، لا صورة، لا زيارات، ولا محاكم. حرفيًا عايشين كلٌّ في منفى، رغم إنه بضمّنا مفهوم العائلة". ولم يكن هذا الاعتقال الأول في حياة مجاهد، بل الخامس منذ عام 2015، العام الذي بدأت فيه رحلته الطويلة مع الاعتقالات والملاحقات.
عايشين كأنو بمنفى

المعلومات التي تصل نور عن زوجها قليلة جدًا، وغالبًا ما تأتي عبر أسرى محررين من سجن جلبوع، حيث يقبع مجاهد. ورغم محدودية هذه الأخبار، إلا أنها تحمل في طياتها كثيرًا من القسوة؛ إذ تتكرر فيها روايات المرض، وشح الطعام، والتنكيل، والقمع، والعزل، غير أنّ كل ذلك، كما تقول نور، لا يوازي وجع اشتياقه لابنه وأهله، أو حتى سماع أصواتهم.
ومع ذلك، تجد عزاءها في شهادات الأسرى المحررين الذين يؤكدون أن مجاهد ما يزال مصدرًا للتفاؤل والطاقة داخل قسمه، يرفع معنويات الأسرى ويخفف عنهم وطأة الأسر. وكغيره من آلاف الأسرى، أُصيب مجاهد بمرض «السكابيوس»، المرض الذي انتشر في السجون بفعل الظروف القاسية والإهمال الطبي، فنهش أجساد الأسرى وأثقل تفاصيل حياتهم اليومية بالألم والمعاناة.
وعن الطريقة التي تحاول بها مواساة نفسها، تقول نور: "بصبر حالي إنه كل هالبعد والشوق والتعب والهمّ هو أجر عند ربنا، تعبنا وصبرنا ما رح يهونوا عند الله. بكفينا إنه نكون من الصابرين، ومن الناس اللي قدّموا أعمارهم وحياتهم في سبيل الله".
لكنها لا تُخفي حجم الانكسار الذي يسكن قلبها، فتضيف: "ربنا يتقبل ويكرمنا ويعوّضنا خير بالدنيا والآخرة. أنا ما بجمّل الوجع أبدًا، بالعكس… الوجع اللي فيي بهدّ جبال، وكل يوم بمرّ بغياب مجاهد عن مية سنة. الزوج والأب هو سند العيلة، وأنا عيلتي ناقصة بدونه".
"يارب بابا يطلع"

تحاول نور أن تقوم بدور الأب والأم معًا، وأن تكون السند الوحيد لطفلها ولنفسها. تُحدّث محمد أمين عن أبيه باستمرار، تعرض له صوره، وتخاطبه وكأنه حاضر بينهم، في محاولة للحفاظ على صورة الأب حيّة في ذاكرة طفل لم يُتح له أن يعيش مع والده سوى أشهر قليلة. وتقول: «بفتقد غيابه كزوج وسند ومعيل أساسي للعيلة، وبفتقد وجوده كأب لابني، يساعدني بتربيته، خصوصي إنه أول طفل وكل التجارب جديدة. إني أكون لحالي أم وأب فهاي حالة جهاد بحد ذاتها، وربنا يعين كل زوجات الأسرى».
وتدرك نور أن الطفل الذكر بطبيعته يميل لتقليد أبيه، فتسرح كثيرًا في خيالها، متسائلة كيف كان لمحمد أمين أن يشبه والده لو كبر بين يديه، وكيف كان سيقلّده في كلماته وتفاصيله الصغيرة. ومع ذلك، تتمسك بالأمل، مؤمنة بأن الفرج لا بدّ أن يأتي يومًا. أما محمد أمين، فلا يكف عن السؤال عن والده. كلما اشتاق إليه، يرفع كفيه الصغيرتين بالدعاء: "يا رب يطلع بابا بالسلامة".
وحين يلمح الحزن في عيني والدته، يبادرها قائلًا بعفوية الأطفال: "اشتقتي لبابا؟ إن شاء الله ربنا بطلعه بالسلامة". تقول نور إن كلمات طفلها تخفف عنها شيئًا من هذا الحمل الثقيل، فتحتضنه وتقبّله وكأنها تستمد منه بعض القوة للاستمرار. ويلازمها خوف دائم على حياة زوجها، في ظل السياسات التي تنتهجها إدارة السجون بحق الأسرى، وما يُنقل عن العزل والتنكيل والاعتداءات المستمرة عليهم.
وتوضح أن الاحتلال لم يكتفِ بإلحاق الأذى الجسدي بالأسرى، بل عمّق معاناتهم النفسية أيضًا عبر منع الزيارات وعرقلة لقاءات المحامين. وتقول:
"زيارة المحامي ما بتخفف عنا الشوق أو الخوف، بالعكس بتزيد، لأنه الأسرى دائمًا بحكوا إنه خلال نقلهم للزيارات بتم الاعتداء عليهم والتنكيل فيهم".
اقرأ أيضًا: خلف زنازين الإداري: أبانا الذي يشيخ وحده.. فيصل سباعنة
ومع ذلك، ترى في زيارة المحامي رسالة معنوية للأسير: "إنه إحنا معك، متذكرينك، وإنك مش لحالك، وإحنا صامدين بصمودك وثابتين على العهد. لأنهم هناك بانقطاع تام عن العالم الخارجي، لا أخبار ولا أحوال". وتشكو نور من قلة الحيلة، ومن تخاذل كثيرين عن نصرة الأسرى في واحدة من أقسى المراحل التي تمر بها الحركة الأسيرة.
وزادت الأعباء المعيشية على عائلات الأسرى بعد قرار السلطة الفلسطينية قطع رواتب أكثر من 1600 أسير وتحويلهم إلى مؤسسة «تمكين»، في خطوة أثارت قلقًا واسعًا لدى الأهالي الذين يعتمد كثير منهم على هذه الرواتب كمصدر دخل أساسي.
وكان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد أصدر، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قرارًا بقانون ألغى بموجبه منظومة الاستحقاق القائمة على صفة الأسير أو الشهيد أو الجريح، واستبدلها بنظام «بحث اجتماعي موحّد» يحدد الاستحقاق وفق معيار الاحتياج فقط، دون النظر إلى سنوات الأسر أو طبيعة الإصابة أو الشهادة.
وفي ختام حديثها، حمدت نور الله على كل حال، مطالبة المؤسسات الحقوقية والإنسانية وكل الجهات المعنية بالوقوف إلى جانب الأسرى، والعمل الجاد على وقف معاناتهم المستمرة، وإلغاء السياسات والقوانين التي تستهدفهم وتفاقم آلامهم وآلام عائلاتهم. وتتابع: «إحنا داخلين السنة الثالثة من الانقطاع التام، لا صوت، لا صورة، لا زيارات، ولا محاكم. حرفيًا عايشين كلٌّ في منفى، رغم إنه بضمّنا مفهوم العائلة».

