بنفسج

إليك شقيقة الدين والعروبة: حينما حاصرتني الزنزانة

الثلاثاء 05 مايو

تجربة الأسر للدكتورة زهرة خدرج
تجربة الأسر للدكتورة زهرة خدرج

أختاه… يا امتداد قلبي العربي والإسلامي، يا من تعرفين كيف تتحول المرأة في لحظات المحنة إلى وطنٍ كامل، وكيف تصبح السكينة بيتًا صغيرًا نحتمي به من قسوة العالم، ويغدو الصبر عباءةً نلتف بها كي لا تنكسر أرواحنا تحت ثقل الأيام ومرارها… أكتب إليك اليوم، لا لأروي حكاية عابرة، ولا لأستدر دمعةً أو شفقة، بل لأضع بين يديك شيئًا من الوجع الفلسطيني الذي تمشي به النساء هنا كل يوم، بصمتٍ ثقيل، وقلوبٍ مثقلة، وأعينٍ ما عادت تعرف النوم كما عرفته سائر النساء.

أكتب لأن هناك امرأةً فلسطينيةً تمشي حتى اللحظة على حافة الوجع القاطعة، تتكئ على الله وحده، وتتقن الصبر كما لو أنه خُلِق خصيصًا لها. امرأةٌ لم تعد ترى في الحياة مجرد أيام عادية، بل معركةً مفتوحة مع الخوف والقهر والفقد.

هذه المرأة ليست حكايةً تُروى للتسلية، ولا خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل روحٌ حقيقية نزفت طويلًا كي تبقى واقفة. امرأةٌ عاينت الاعتقال مرات كثيرة من خلف أبواب السجون، حين كانت تقف لساعات طويلة في طوابير الزيارة، تتنقل بين الحواجز والسجون، تحمل وجع أخٍ أسير، وزوجٍ معتقل، وابنٍ ينتظر الحرية.

كانت تظن أن أقصى ما يمكن أن يفعله الاحتلال بها هو أن يجعلها شاهدةً على أوجاع أحبّتها، لكنها ذات يوم وجدت نفسها داخل الحكاية، لا خارجها، وأسيرةً لا زائرة. وجدت نفسي في زنازين الاحتلال الضيقة، وحيدةً، معزولةً عن العالم، محاطةً بأناسٍ لا يشبهون البشر في شيء. وجوهٌ جامدة، وقلوبٌ لا تعرف الرحمة، وعنفٌ يُمارَس ببرودٍ مرعب، حتى بدا السجن وكأنه مصنعٌ كبير لصناعة الألم الإنساني. ومع ذلك، كنت أتشبث بالصمت أحيانًا، وبالدعاء أحيانًا أخرى، وأحاول أن أحفظ ما تبقى من روحي من التآكل.

أختاه… امنحيني قليلًا من وقتك، وواصلي القراءة معي. فما سأكتبه ليس مجرد تجربة اعتقال، بل شهادة امرأةٍ عاشت القيد بكل تفاصيله الثقيلة، وتجرعت الذل بأشكال لم تكن تتخيل يومًا أنها قادرة على احتمالها. لم أكن أظن أنني سأصمد يومًا في ظروفٍ كهذه، ولم أتخيل أن القلب يمكن أن يحتمل هذا القدر من الوحشة والخوف والانقطاع عن العالم، لكن الله، بلطفه الخفي، كان يمدني بالقوة كلما أوشكت على الانهيار، ويزرع في داخلي قدرةً غريبة على التماسك والثبات.


اقرأ أيضًا: خلف زنازين الإداري: أبانا الذي يشيخ وحده.. فيصل سباعنة


أدركت سريعًا أن السجن لدى الاحتلال ليس مجرد جدران وقضبان وحرمان من الحرية، بل محاولة ممنهجة لاغتيال الإنسان من داخله؛ لكسر إرادته، وسحق كرامته، وتحويله إلى كائنٍ مطيع فاقدٍ للروح. لهذا، في كل مرة كانوا يقيدون يديّ ويعصبون عينيّ ويسحبونني بعنف، كنت أرفع رأسي عاليًا، لا تحديًا لهم فحسب، بل حمايةً لما تبقى مني. كنت أقول لنفسي قبل أن أقول لهم: نحن شعبٌ لا ينكسر بسهولة، مهما أثقلوه بالقهر والحزن. وكان هذا الشموخ يستفزهم.

كانوا يرونه جريمةً تستحق العقاب، فتنهال الإهانات، ويزداد الضرب، ويطول العزل، وكأنهم يريدون إخضاع الروح قبل الجسد. في تلك الليلة الباردة الماطرة، اقتحموا بيتي في جوف الليل بعد أن حطموا الباب بعنف. استيقظت على صراخ الجنود وضجيج خطواتهم الثقيلة أمام غرفة نومي، ولم أصدق للحظة أن هذا المشهد يحدث فعلًا داخل بيتي.

كان أطفالي مذعورين، يحدقون بي بعيونٍ خائفة، فحاولت أن أتماسك من أجلهم، وأن أخبئ خوفي عميقًا حتى لا يلمحوه على وجهي. بعثروا البيت بطريقة وحشية، قلبوا الأثاث، فتشوا كل شيء، وتركوا المكان وكأن إعصارًا مرّ من هنا. ثم سرقوا ما وصلت إليه أيديهم، ووضعوا القيود في يدي، وعصبوا عينيّ، بينما كنت أبتسم لأطفالي. نعم… ابتسمت.

اقتادني جنودٌ مدججون بالسلاح، ترافقهم كلابٌ عسكرية أثارت في نفسي رعبًا لا يوصف. تنقلت لساعات طويلة، ثم لأيام، بين التحقيق والزنازين والبوسطة، في رحلةٍ منهكةٍ لا تنتهي. كنت جائعة، عطشى، جسدي يصرخ من الألم، ورأسي مثقل بالتعب والخوف والضياع. وجدت نفسي فجأة داخل عالمٍ غريب لا أعرف قوانينه، ولا أعرف إلى أين سيقودني، أو متى سينتهي هذا الكابوس.

لم تكن ابتسامة طمأنينة، بل رسالة أخيرة أردت أن أتركها في قلوبهم: أمكم قوية، ولن تنهار. كنت أعلم أنني القدوة أمامهم، وأن لحظة ضعفي ستبقى عالقة في ذاكرتهم طويلًا، لذلك خبأت ارتجاف قلبي، ووقفت كما لو أنني أعرف الطريق جيدًا.

اقتادني جنودٌ مدججون بالسلاح، ترافقهم كلابٌ عسكرية أثارت في نفسي رعبًا لا يوصف. تنقلت لساعات طويلة، ثم لأيام، بين التحقيق والزنازين والبوسطة، في رحلةٍ منهكةٍ لا تنتهي. كنت جائعة، عطشى، جسدي يصرخ من الألم، ورأسي مثقل بالتعب والخوف والضياع. وجدت نفسي فجأة داخل عالمٍ غريب لا أعرف قوانينه، ولا أعرف إلى أين سيقودني، أو متى سينتهي هذا الكابوس.

لكن تلك المشاعر لم تكن ضعفًا كما قد يظن البعض. فالوقوع في الأسر تجربة أثقل من أن يحملها قلب امرأة تحب الحياة وعائلتها ووطنها. امرأة اعتادت أن تجد زوجها سندًا دائمًا، يشاركها التعب، ويقوي روحها، ويمنحها الأمان، ثم تجد نفسها فجأة وحيدةً، معزولة عن كل شيء، تواجه وحدها آلةً كاملة من القسوة والقهر.

أدخلوني إلى مكانٍ تحيطه الأسوار العالية والأسلاك الشائكة والبوابات الحديدية الضخمة، ثم أغلقوا الباب عليّ في زنزانةٍ معتمة تفوح منها رائحة الرطوبة والعفن. كان المكان أشبه بقبرٍ ضيق لا يليق بالبشر. أرادوا أن يجعلوا منا مجرد أرقام في سجلاتهم، وظلالًا باهتة تتحرك داخل الممرات دون معنى أو روح، لكننا كنا نرفض أن نتحول إلى ذلك.

كنت أنا ورفيقات الأسر نتقوى بالله، ونحتمي بالدعاء، وفي كل صباح نجدد العهد مع الأمل. كنا نستعيد في أحاديثنا صور الوطن، وذكريات البيوت، ووجوه الأحبة، وتفاصيل الحياة الصغيرة التي كانت تبدو لنا الآن كنوزًا عظيمة. كنا نفعل ذلك كي نحمي أنفسنا من الانكسار، ونقنع أرواحنا بأن هذا القيد زائل، وأن باب السجن، مهما طال إغلاقه، لا يبقى مغلقًا إلى الأبد. كنا نصبر بعضنا بعضًا، ونحاول بكل الطرق أن نحرم السجان من انتصارٍ معنوي علينا.

في الأشهر الأولى، كان البرد أكثر ما ينهش أجسادنا. بردٌ قاسٍ يقضم العظم، ويزداد فتكًا مع الجوع الدائم، وقلة الطعام، والحرمان من النوم. لكن الله منح الإنسان قدرةً عجيبة على الاعتياد؛ حتى الجوع اعتدناه، وحتى الألم صار جزءًا من يومنا. كانت أجسادنا تذبل شيئًا فشيئًا، وملامحنا تتغير، حتى غدونا أشبه بهياكل متعبة أنهكها الحرمان، لكن أرواحنا، رغم كل شيء، بقيت أكثر صلابة.


اقرأ أيضًا: "قيد" توراثته العائلة عن صوافطة الأب والنجلين


لم يكن السجن مجرد جدران وقضبان، بل معركةً يومية للحفاظ على العقل والكرامة. كانت القسوة تتجلى في محاولاتهم المستمرة لإذلالنا: في التفتيش المهين، وفي الحرمان من أبسط حقوقنا، وفي رؤية الأسيرات المريضات يتألمن بلا علاج، والوجع ينهش أجسادهن دون رحمة.

وفي الأسر، تتغير علاقتنا بكل شيء. الأشياء الصغيرة التي تبدو عادية للناس تصبح بالنسبة لنا حياةً كاملة. كنت أتشبث بساعة “الفورة” كما لو أنها نافذة نجاة، رغم أنها كثيرًا ما كانت تُختصر إلى دقائق معدودة. كانت لحظة الهواء الوحيدة، اللحظة التي يسمح لنا فيها برؤية شيء من السماء.

كنت أرفع عيني إلى الأعلى، عبر طبقاتٍ كثيفة من الشبك الحديدي، وأتأمل السماء بإصرارٍ غريب. لم يكن ذلك مجرد نظرٍ إلى الفراغ، بل فعل مقاومة. كنت أشعر أن السجان يريد حتى أن يسرق منا حق الشوق، وحق التأمل، وحق الإحساس بالحياة، لذلك كنت أصر على النظر إلى السماء وكأنني أقول له: ما زال في داخلي متسع للحلم.

وفي يومٍ من أيام نيسان، كانت السماء صافية على نحوٍ موجع، والشمس دافئة كما لو أنها جاءت خصيصًا لتربت على قلوبنا. وفجأة، رأيت زوجًا من النسور يحلقان معًا في السماء. كانا يدوران بحريةٍ مدهشة، يرسمان دوائر واسعة فوق السجن، وكأنهما يذكرانني بأن العالم خارج هذه القضبان ما زال حيًا. توقف الزمن في تلك اللحظة، وقفز الفرح إلى قلبي بصورة أربكتني، ثم انهمرت دموعي بحرقة. لم أصدق أن شيئًا من الحياة ما زال قادرًا على الوصول إلينا هنا، داخل هذا المكان الموحش.

وفي ليلةٍ أخرى، كانت الريح تعصف بقوة، وكأنها تجوب البلاد كلها في ليلةٍ واحدة. وقفت خلف باب الزنزانة أترقب الفجر، حين سمعت صوتًا غريبًا ومألوفًا في آنٍ معًا. أرهفت السمع، وخشيت أن يكون مجرد وهمٍ صنعه الحنين، لكنني أدركت بعد لحظات أنه صوت أمواج البحر، تضرب شواطئ حيفا الفلسطينية.

أغمضت عيني، وأصغيت بروحي كلها. كان البحر يصل إلينا رغم كل القضبان، وكأنه يهمس لنا بأن فلسطين ما زالت هناك، تنتظر أبناءها. واليوم، أجلس خارج تلك القضبان بجسدي، لكن جزءًا من روحي ما يزال هناك، مع أخواتي اللواتي يواجهن حتى اللحظة هذا الجبروت وحدهن. خرجت من السجن وأنا أدرك أن الحرية ليست مجرد عبور بابٍ حديدي إلى الخارج، بل هي تلك الإرادة التي فشل السجان، بكل أدوات قسوته، في أن ينتزعها منا.

لقد حاولوا كثيرًا أن يكسرونا، لكن القسوة لم تكسرني، بل جعلتني أكثر يقينًا بأن الحق لا يموت، وأن القضية التي دُفع ثمنها من أعمار الناس وأحلامهم ودموعهم، لا يمكن أن تضيع. فالحق، مهما طال الغياب، يبقى حيًا في قلوب المطالبين به، ويعود يومًا لأصحابه، ولو بعد حين.