بنفسج

ماذا تعلمنا غزة اليوم؟ أن الوفاء ديدن الأحرار

الأربعاء 13 مايو

ماذا تعلمنا غزة؟
ماذا تعلمنا غزة؟

في الأزمنة العادية يستطيع الإنسان أن يختبئ خلف الكلمات والشعارات والصور اللامعة، لكن في زمن المجازر تسقط الأقنعة سريعًا، ويظهر الناس على حقيقتهم، فمنهم من يصمت خوفًا أو مصلحة، ومنهم من يبيع ضميره للسلطة والرواية الأقوى، ومنهم من يختار أن يقف إلى جانب الحق ولو دفع الثمن حياته أو حريته أو مستقبله. ولهذا، لم تكن غزة مجرد مدينة محاصرة تتعرض للقصف والجوع، بل كانت امتحانًا أخلاقيًا عالميًا كشف معدن البشر، وأثبت أن الوفاء ديدن الأحرار حقًا.

ومن بين الأسماء التي تحولت إلى رمز خالد للوفاء والحقيقة، تقف الشهيدة الصحفية شيرين أبو عاقلة التي لم تكن مجرد مراسلة تنقل الأخبار، بل كانت صوت الفلسطينيين الذين حاول العالم طويلًا خنق صوتهم. كانت تعرف أن الكاميرا قد تتحول في فلسطين إلى هدف، لكنها بقيت بين المخيمات والدمار وجنازات الشهداء حتى ارتقت شهيدة للحقيقة.

ومع شيرين، برزت أسماء صحفيين حملوا أرواحهم على أكتافهم دفاعًا عن الرواية الفلسطينية، الصحفي حمزة الدحدوح، نجل وائل، أثناء عمله الإعلامي، ليصبح واحدًا من عشرات الصحفيين الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للكلمة الحرة. والصحافية آلاء الهمص،  ومحمد أبو حطب، وإسماعيل الغول، أنس الشريف، وغيرهم من المصورين ممن حوّلوا الكاميرا إلى شاهد على المجازر، في مواجهة آلة إعلامية حاولت طمس الحقيقة أو تبريرها.

وفي قلب المستشفيات المدمرة، وقف الأطباء والمسعفون كأنهم خط الدفاع الأخير عن الحياة. الطبيب الفلسطيني عدنان البرش، كان يتنقل بين غرف العمليات المكتظة بالمصابين ومريوله ناقع بالدماء، عندما أصبحت المستشفيات ساحات موت جماعي بسبب نقص الدواء والكهرباء والمعدات الطبية. والدكتور الأسير حسام أبو صفية الذي لم يكن يتحدث بلغة السياسة، بل بلغة الأجساد الممزقة والأطفال الذين يصلون بلا أطراف، خطف وعذب وجوّع في الزنازين حتى يومنا هذا.

كما شكّلت الطبيبة الفلسطينية آلاء النجار وغيرُها من الطواقم الطبية والإنسانية جزءًا من الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية، فيما عمل آلاف المسعفين في ظروف يستحيل فيها العمل الإنساني. كثير منهم استشهدوا وهم يحاولون إنقاذ الجرحى، لأن الاحتلال لم يفرّق بين طبيب يحمل سماعته ومسعف يحمل حقيبة الإسعاف.


اقرأ أيضًا: صناعة الذاكرة: لماذا علينا أن لا ننسى الإبادة؟


أما المتضامنون الأجانب، فقد أعادوا للعالم شيئًا من إيمانه بالإنسانية. الناشطة الأمريكية راشيل كوري بقيت رمزًا خالدًا للوفاء لفلسطين، بعدما قُتلت وهي تحاول حماية منزل فلسطيني من الهدم في غزة. جاءت من أقصى العالم لتقول إن الإنسان الحر لا يمكنه أن يشاهد الظلم بصمت.

كما حضرت أسماء مثل غريتا ثونبرغ التي أعلنت تضامنها مع غزة رغم حملات الهجوم التي تعرضت لها، مؤكدة أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يتجزأ. وكذلك كثير من المتضامنين الذين شاركوا في سفن كسر الحصار، حاملين الغذاء والدواء والأمل إلى غزة المحاصرة، رغم تهديدات الاعتقال أو الاستهداف.

لقد تحولت سفن كسر الحصار إلى رمز أخلاقي عالمي، أناس من ثقافات وأديان مختلفة قرروا أن البحر أهون من خيانة ضمائرهم. بعضهم تعرض للأسر، وبعضهم مُنع من الوصول، لكنهم أثبتوا أن الحرية لا تزال تجد من يدافع عنها. أما أطفال غزة ونساؤها، فقد أصبحوا المعنى الأعمق للوفاء والصبر. الطفل الذي يخرج من تحت الركام وهو يبحث عن أمه، والأم التي تخبئ خوفها كي تمنح أبناءها قليلًا من الطمأنينة، والنساء اللواتي حوّلن الخيام إلى مساحة للحياة رغم الجوع والبرد والفقد… جميعهم أعادوا تعريف القوة الإنسانية.

لقد أرادت الحرب أن تجعل غزة مجرد عنوان للموت، لكن الأوفياء حول العالم جعلوها عنوانًا للحقيقة والكرامة الإنسانية. ومن شيرين أبو عاقلة إلى حسام أبو صفية، ومن راشيل كوري إلى الصحافي الجريح فادي الوحيدي، ومن المسعفين المجهولين إلى المتضامنين الذين ركبوا البحر لكسر الحصار، تتكرر الحقيقة نفسها: أن الوفاء ليس كلمات تُقال، بل مواقف تُدفع أثمانها من القلب والروح والحياة.

وسيكتب التاريخ طويلًا عن الذين صمتوا، لكنه سيخلّد أكثر أولئك الذين اختاروا أن يكونوا أوفياء لغزة وأطفالها ونسائها وحقها في الحياة. لأن الأحرار وحدهم يعرفون أن الإنسان لا يُقاس بقوته، بل بقدرته على الوقوف مع المظلوم حين يتخلى عنه العالم كله.