بالإرادة والعزيمة يولد ما نظنه مستحيلًا، وتولد المعجزات حين يصدق السعي ويشتدّ العزم. وهذا بالفعل ما حدث مع دعاء اشتيه من قرية سالم، قضاء مدينة نابلس، التي وجدت نفسها فجأة في مواجهة الحياة وحدها، بعد اعتقال زوجها كامل حمران، سندها ومعيل أسرتها، في سجون الاحتلال.
لم يكن الغياب عابرًا، بل كان امتحانًا ثقيلًا امتدّ لثلاث سنوات ونصف، تحمّلت خلاله دعاء مسؤولية مضاعفة. فهي أم لطفل مصاب بطيف التوحد، يحتاج إلى رعاية خاصة ومتابعة يومية في مراكز التأهيل، ما فرض عليها التزامًا يوميًا لا يحتمل التأجيل أو التقصير. وبين مواعيد العلاج، ومتطلبات البيت، ومسؤولية التربية، كان لا بدّ من البحث عن مصدر رزق يضمن تغطية تكاليف العلاج وتسيير شؤون الحياة.
بدافع الشغف
في البداية، بدا العثور على عمل ملائم ضربًا من الصعوبة؛ فظروفها كانت تفرض عليها ساعات عمل مرنة، ويفضّل أن تكون في الفترة المسائية حتى تتمكن من مرافقة طفلها صباحًا. وبينما كانت تقلّب صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بحثًا عن فرصة، استوقفتها دعاية عن دورات في التصوير الفوتوغرافي. لم يكن الأمر غريبًا عليها، فحب التصوير كان يسكنها منذ زمن، لكنه ظلّ مؤجلًا تحت وطأة المسؤوليات.
بدافع الشغف قبل الحاجة، توجّهت إلى مركز “معهد جلاكسي للتدريب” للاستفسار عن تفاصيل الدورات. هناك، شجّعها الطاقم على الالتحاق بدبلوم كامل في الـ Multimedia، لتتقن البرامج المكملة للتصوير وتؤسس لنفسها قاعدة معرفية متينة. اتخذت قرارها، رغم ضيق الحال، والتحقت بالدبلوم بنظام التقسيط.
في البداية، بدا العثور على عمل ملائم ضربًا من الصعوبة؛ فظروفها كانت تفرض عليها ساعات عمل مرنة، ويفضّل أن تكون في الفترة المسائية حتى تتمكن من مرافقة طفلها صباحًا. وبينما كانت تقلّب صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بحثًا عن فرصة، استوقفتها دعاية عن دورات في التصوير الفوتوغرافي. لم يكن الأمر غريبًا عليها، فحب التصوير كان يسكنها منذ زمن، لكنه ظلّ مؤجلًا تحت وطأة المسؤوليات.
بدافع الشغف قبل الحاجة، توجّهت إلى مركز “معهد جلاكسي للتدريب” للاستفسار عن تفاصيل الدورات. هناك، شجّعها الطاقم على الالتحاق بدبلوم كامل في الـ Multimedia، لتتقن البرامج المكملة للتصوير وتؤسس لنفسها قاعدة معرفية متينة. اتخذت قرارها، رغم ضيق الحال، والتحقت بالدبلوم بنظام التقسيط، لتبدأ أولى خطواتها في عالم جديد.
من هنا انطلق مشوارها في مجال التصوير؛ مشوار لم يكن سهلًا ولا مفروشًا بالورود. كان طفلها آنذاك في الثالثة من عمره، يحتاج إلى مرافقتها اليومية إلى مركز التأهيل، فيما كانت تصطحب طفلتها الصغيرة، ذات العام الواحد، معها في كثير من الأحيان. وبعد انتهاء الدوام، تعيد طفليها إلى والدتها التي كانت تعمل معلمة، لتتفرغ هي لدراستها ومتابعة محاضراتها العملية والنظرية.
نجاح رغم الألم
لم تكن تملك رأس مال يؤهلها لإدارة مشروع خاص، لكنها لم تسمح لضيق الإمكانات أن يقيّد طموحها. تقول دعاء: “التحقت ببرنامج الدبلوم عن طريق التقسيط، وحصلت على أول كاميرا بالتقسيط أيضًا. أنشأت صفحة على فيسبوك، وبدأت آخذ حجوزات تصوير في المنتزهات وصالات الأفراح”.
كانت تدّخر جزءًا من كل مبلغ تتقاضاه، مهما كان بسيطًا، لتطوّر مشروعها تدريجيًا؛ اشترت عدسات ومعدات، وراكمت خبرة، حتى تمكّنت عام 2019 من افتتاح أول استوديو تصوير لها.
كان عبارة عن غرفة صغيرة وبسيطة، بالكاد تفي بأغراض التصوير، لكنه كان بالنسبة لها مساحة حلم تحقّق، ودليلًا على أن البدايات المتواضعة لا تنتقص من قيمة الإنجاز.
رغم الإرهاق وتراكم المسؤوليات، آثرت الاجتهاد. تفوقت في الدبلوم، وحصلت على تقدير امتياز، وشعرت أن الحلم الذي بدا بعيدًا بدأ يقترب خطوة بعد أخرى. وخلال فترة دراستها، انخرطت في سوق العمل، وتعاونت مع استوديوهات محلية في تصوير حفلات الأعراس، فكان ذلك أول الغيث… قطرة صغيرة بشّرت بمطر قادم.
لم تكن تملك رأس مال يؤهلها لإدارة مشروع خاص، لكنها لم تسمح لضيق الإمكانات أن يقيّد طموحها. تقول دعاء: “التحقت ببرنامج الدبلوم عن طريق التقسيط، وحصلت على أول كاميرا بالتقسيط أيضًا. أنشأت صفحة على فيسبوك، وبدأت آخذ حجوزات تصوير في المنتزهات وصالات الأفراح”.
اقرأ أيضًا: عائلة الشيخ ماجد حسن: فردًا فردًا على قوائم الأسرى
كانت تدّخر جزءًا من كل مبلغ تتقاضاه، مهما كان بسيطًا، لتطوّر مشروعها تدريجيًا؛ اشترت عدسات ومعدات، وراكمت خبرة، حتى تمكّنت عام 2019 من افتتاح أول استوديو تصوير لها. كان عبارة عن غرفة صغيرة وبسيطة، بالكاد تفي بأغراض التصوير، لكنه كان بالنسبة لها مساحة حلم تحقّق، ودليلًا على أن البدايات المتواضعة لا تنتقص من قيمة الإنجاز.
كل ذلك وزوجها لا يزال معتقلًا، ما جعل الابتلاء مضاعفًا، لكن دعاء كانت مثالًا للصبر والمثابرة. رويدًا رويدًا، صنعت لنفسها اسمًا في عالم التصوير في مدينة نابلس، واكتسبت ثقة زبائن من المدينة والقرى المحيطة. وكان لأسلوبها الهادئ وصبرها على الأطفال دور كبير في نجاحها.
أمومة واعتقال الزوج
وجود طفل مصاب بطيف التوحد في حياتها لم يكن عبئًا فحسب، بل مدرسة في الصبر والاحتواء والمحبة. هذا العمق الإنساني انعكس في جلسات تصوير الأطفال، حيث كانت تتعامل معهم بحسّ أمومي صادق، وهو ما لاحظه الأهالي ولمسوه في صور أبنائهم. تقول: “بدأت تصوير الأطفال وعائلاتهم بكل حب، والحمد لله طوّرت مشروعي إلى استوديو أكبر”.
ومع تحرر زوجها من الأسر، أُذهل بما أنجزته زوجته في سنوات غيابه. عاد ليجد أن الفراغ الذي تركه الاعتقال لم يتحوّل إلى انكسار، بل إلى دافع للإنجاز. تؤكد دعاء: “الحمد لله، اليوم لديّ استوديو متخصص في تصوير المواليد الجدد والأطفال خاصة، ونصوّر أيضًا كل أنواع التصوير، بعد أن دخلت أختي ضحى شريكة معي في المشروع”.
وجود طفل مصاب بطيف التوحد في حياتها لم يكن عبئًا فحسب، بل مدرسة في الصبر والاحتواء والمحبة. هذا العمق الإنساني انعكس في جلسات تصوير الأطفال، حيث كانت تتعامل معهم بحسّ أمومي صادق، وهو ما لاحظه الأهالي ولمسوه في صور أبنائهم. تقول: “بدأت تصوير الأطفال وعائلاتهم بكل حب، والحمد لله طوّرت مشروعي إلى استوديو أكبر”.
ومع تحرر زوجها من الأسر، أُذهل بما أنجزته زوجته في سنوات غيابه. عاد ليجد أن الفراغ الذي تركه الاعتقال لم يتحوّل إلى انكسار، بل إلى دافع للإنجاز. تؤكد دعاء: “الحمد لله، اليوم لديّ استوديو متخصص في تصوير المواليد الجدد والأطفال خاصة، ونصوّر أيضًا كل أنواع التصوير، بعد أن دخلت أختي ضحى شريكة معي في المشروع”.
اقرأ أيضًا: على أمل اللقاء... تعيش عائلة الأسير عمار النجار
تسعى دعاء باستمرار إلى تطوير الاستوديو، والاهتمام بأدق تفاصيله، وخلق جو مريح ودافئ لكل من يدخله، خصوصًا الأمهات والأطفال. أصبح استوديو دعاء اشتيه في مدينة نابلس وجهة مميزة لتصوير المواليد الجدد، إلى جانب مختلف أنواع التصوير الفوتوغرافي، مع حرص دائم على تطوير الأداء ومواكبة كل جديد في المجال.
المفارقة أن هذا المجال بعيد تمامًا عن تخصصها الأكاديمي؛ فهي خريجة بكالوريوس كيمياء تطبيقية. لكن الظروف دفعتها إلى التفكير خارج الصندوق، وإعادة تشكيل حياتها بيدها، دون استسلام أو تذمر. لم تكتفِ بوضع اليد وندب الحظ، بل آمنت أن من سار وصل، وأن السعي الصادق لا يضيع.

