بنفسج

على أمل اللقاء... تعيش عائلة الأسير عمار النجار

الأحد 01 فبراير

الأسير عمار النجار
الأسير عمار النجار

يوم الأحد، السابع عشر من يوليو/تموز لعام ألفين وثلاثة وعشرين، كم هو ثقيل ذاك التاريخ بكل تفاصيله على نوران، إذ شكّل مرحلة مفصلية في حياتها. كان يوم أحد عاديًّا في بدايته، قبل أن تبدأ الأخبار بالتوارد عن وقوع عملية إطلاق نار قرب مستوطنة تقوع، والحديث عن إصابات في صفوف المستوطنين، وعن تمكن المنفذ من الانسحاب بسلام. وبعد ساعات من المطاردة، اعتقل الاحتلال المنفذ بعد حصاره داخل مسجد في بيت لحم، وهنا كانت الصدمة.

المنفذ كان عمار، زوجها الضحوك المحبّ للحياة. تصف نوران ذاك اليوم بقولها: "وقع الخبر عليّ كالصاعقة، لم أكن مستعدة لسماع اسم زوجي مقترنًا بكلمة اعتقال. شعرت بأن الأرض انسحبت من تحت قدمي، وتوقّف الوقت للحظة، امتزج الخوف بالصدمة، ولم أستوعب ما يحدث إلا بعد ساعات طويلة من البكاء والقلق.

في تلك اللحظة تغيّر كل شيء، وأدركت أن حياتنا دخلت مرحلة جديدة مليئة بالوجع والانتظار." مشاعر القلق والخوف والرجاء، التصديق والتكذيب، لماذا وكيف، أنا والأولاد! كل هذه المشاعر والأسئلة، كعاصفة هوجاء، ضربت تفكيرها. وبعد مرور الوقت أدركت أن هذا ابتلاء وقدر، وكل ما عليها الآن الصبر والاحتساب، فقدر الله نافذ.

لحظة الخبر

IMG-20260130-WA0004.jpg

عشر سنوات من الحب والألفة جمعت نوران بزوجها عمار، رزقهما الله بثلاثة أطفال جميلين: شادي (9 أعوام)، بانا (7 أعوام)، وآخر العنقود محمد ذو العامين ونصف. التأقلم مع الألم ليس شيئًا سهلًا، والصبر ليس مجرد كلمة تُقال، لكنه مفتاح الفرج، ويا لعظيم ثواب من صبر. لذا تحاول نوران التأقلم مع واقعها، قائلة:

"مقتنعة بأن صبري هو طريق الفرج، والأمل هو الشيء الوحيد اللي ما بسمح لنفسي أخسره، ومُتيقنة بفرج ربنا. بصبّر حالي بالدعاء، وبذكّر نفسي إنه صبري جزء من قوتي، ومؤمنة إنه هالمرحلة صعبة لكنها مش دائمة، وزوجي بحاجة يشوفني ثابتة وقوية، مش مكسورة."


اقرأ أيضًا: "جكَر خلّوا الضو مضوي كل الليل": شهادات الأسيرات من سجن الدامون


وتضيف: "بدعم نفسي بالكلام الإيجابي، وبالتواصل مع الناس اللي بحبّوني وبيفهموا وضعي. الأمل هو الشي اللي بتمسّك فيه كل يوم، وبآمن إنو ربنا رح يعوّض صبرنا خير، ويجمعنا من جديد، ويحوّل هالوجع لقوة وخير." قد تستغربين، عزيزتي القارئة، أن أعمار الزوجين في أواخر العشرينات، والسؤال الذي قد يتبادر إلى أذهان البعض: هل ستنتظر نوران زوجها لأكثر من تسعة وعشرين عامًا؟ وهو الحكم المطلوب له، علمًا بأن تلك السنوات أكثر من عمرها الحالي!

ترد نوران قائلة: "قرّرت أكون قوية وأظلّ وفيّة لزوجي لآخر يوم بعمري، وما أنسى وجوده ولا مكانته بحياتي. إيماني بربنا كبير، ومتيقّنة إنو الفرج آتٍ ولو طال، وتربية الأولاد أولوية عندي، ودائمًا بذكر زوجي أمام أطفالي بكل تفاصيل يومهم."

جحيم السجون

IMG-20260130-WA0005.jpg

تصف نوران زوجها بروحه الإيجابية المحبة للحياة، قائلة: "دائمًا كان يحاول ينشر الفرح حواليه، ويحب يضحّكنا حتى بأصعب الظروف. وجوده كان يعطيني والأولاد طاقة وأمان، وضحكته كانت تخفّف الهمّ. الذكريات هي اللي بتعطيني قوة أكمّل وأصبر."

في ظل الانتهاكات والجرائم التي تُرتكب بحق الأسرى، تبدي نوران تخوّفها وقلقها الشديدين على مصير زوجها المعتقل في سجن نفحة، خاصة مع استمرار منع الزيارات وشحّ الأخبار.

تقول: "أي خبر عن سوء المعاملة أو الظروف القاسية بخلّيني أعيش توتر دائم، وأتخيّل معاناة عمار لحاله بدون دعم أو تواصل. القلق ما بفارقني، خصوصًا مع انقطاع الأخبار وصعوبة الاطمئنان عليه. بعيش بين الخوف والدعاء، هاي الأخبار بتثقل قلبي، بس بنفس الوقت بتقوّي إيماني إنه ربنا هو الحافظ والملجأ الوحيد."

"بدنا بابا يروح على الدار"

IMG-20260130-WA0003.jpg

سُئلت نوران: إذا كان عمار يسمعك الآن، ماذا تخبرينه؟ ردّت بعد تنهيدة طويلة، والدموع تنهمر على خديها: "قوية عشانك، وصابرة عشانك، وغيابك موجع، بس إيماننا أقوى من كل السجون. صورتك ما غابت عن بالي ولا عن قلبي، كل يوم بذكرك وبستناك أنا والأولاد اللي اشتاقوا لك كثير، بحب أحكيله إنو ضحكته لسه عايشة فينا، وإنو حبّه للحياة علّمني أتمسّك بالأمل مهما كانت الظروف صعبة. بوعده إني أضل ثابتة وما أنكسر، لحد ما يجمعنا ربنا على خير وفرج قريب بإذن الله."

مع اشتداد ظروف القمع والتنكيل التي تمارسها إدارة السجون، وخشية العائلات على مصير أسراها، تفاجأت العائلات بقطع رواتب كثير من الأسرى، ما زاد من صعوبة الحياة عليهم. قرار ترى فيه نوران، كغيرها من زوجات الأسرى، ظلمًا وإجحافًا، واصفةً إياه بالعقاب، ومتسائلة: هل هكذا يُكرَّم الأسير الذي ضحّى بسنين عمره لأجل كرامتنا والقضية؟!


اقرأ أيضًا: شيماء أبو غالي: أسيرة وأم وابنة شهيدة


قطع راتب عمار النجار كان له بالغ الأثر على نوران، كونها ربّة منزل، تعتاش هي وأبناؤها على راتب زوجها. قصة نوران واحدة من بين آلاف قصص النساء الفلسطينيات اللواتي آثرن الإخلاص لأزواجهن الأسرى، بانتظارهم، وحملن على عاتقهن مسؤولية الأب والأم معًا، مسؤولية البيت والعمل والمدارس، وغيرها الكثير من التفاصيل المرهقة. لكنها الفلسطينية التي مثّلت نموذجًا للصبر، حتى عجز الصبر عن صبرها، حبًّا وإخلاصًا لمن سرق الاحتلال أحبابها، وخدمةً للدعوة والقضية.