بنفسج

سندس لفداوي: الأم التي بدأ رمضانها في المعتقل

الخميس 12 مارس

الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي

كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة مساء، همّت سندس بإعداد وجبة العشاء لعائلتها، ثم هيأت طفلاتها الأربع للنوم، وتأكدت من دفئهن، قبل أن تطبع على جباههن قبلات دافئة. وقبل ذهابها لغرفتها للنوم تأكدت من نظافة المنزل، ترتيبات اعتادت سندس على ممارستها يوميًا، وهنا ينتهي يومها بعد عمل طويل من الأعمال المنزلية والاهتمام بطفلاتها، لتخلد إلى النوم وتغط في سبات عميق.

لكن الليل كان مختلفًا؛ ففي منتصف ليلة الخميس ١٢ من شهر فبراير الماضي، فزعت سندس وزوجها من نومهما على أصوات ضرب وتكسير وخلع، ليتبين أن قوة من جيش الاحتلال، مكوّنة من عدد من الجنود المدججين بالأسلحة، قد انتشروا في أرجاء المنزل بلمح البصر بعد أن خلعوا الباب الرئيسي، وسط صراخ الجنود، ما أثار الرعب في نفوس أهل البيت، خاصة سارة ذات العامين ونصف.

اعتقال مباغت

IMG-20260312-WA0015.jpg

يصف محمد الهمشري، زوج سندس، تلك اللحظات قائلًا: “وجّه الجنود أسلحتهم نحو عائلتي وطلبوا بطاقات الهوية والجوالات. كانت زوجتي سندس بجانبي تحمل ابنتنا سارة آخر العنقود، وبعد التدقيق في الهويات قال الضابط: “سندس مطلوبة”. لم أستطع استيعاب الجملة، جبالٌ طبقت على صدري، خبر كالصاعقة، كنت أتوقع اعتقالي ولم يخطر ببالي أن يكون الاعتقال لسندس!”.

صمتٌ ثقيل، مشبع بالقهر والألم، ساد اللحظة؛ حالة من الذهول والرعب. كم هو مخيف ذاك المشهد حين تصبح بلا حيلة، بلا حول ولا قوة أمام جنود يتسلحون بأعتى الأسلحة. فعدم الانصياع لقراراتهم في تلك اللحظة يضعك أمام خيارات ضيقة: إما أن تجازف بمصيرك ومن حولك، أو توكل أمرك لله، فلا رادّ لقضاء الله، فأمره نافذ.


اقرأ أيضًا: إلى نساء الأمة: حكاية أسيرتين لا تختصران في خبر


كردة فعل سريعة، قام محمد بتغطية عيني ابنته سارة في محاولة لمنعها من رؤية اعتقال والدتها، فيما كانت البنات الثلاث في أسرّتهن شاهدات على طريقة الاعتقال. ودعت سندس طفلاتها، وأودعتهن لله فهو خير حافظ، وتركتهن أمانة في رعاية زوجها والأهل، وسط بكاء بناتها وصدمتهن باعتقالها.

سندس خالد صالح همشري، ٣٣ عامًا، من مدينة طولكرم، حاصلة على بكالوريوس كيمياء من جامعة فلسطين التقنية/خضوري، تعمل ربة منزل، وهي أم لأربع زهرات: أكبرهن ريحانة (١٠ أعوام)، تليها بيسان (٨ سنوات ونصف)، ثم شام (٥ أعوام)، وأصغرهن سارة (عامان ونصف)، ثمار جنتها خلال أحد عشر عامًا من زواجها.

سندس في الدامون

سندس لفداوي

عقب اعتقال سندس، الزوجة المخلصة والأم الحنونة، لم تتوقف البنات عن الأسئلة اللحظية المتكررة عن سبب اعتقال والدتهن، وما الذنب الذي اقترفته حتى يُزج بها في سجون الاحتلال ويُحرمن منها. وسط موجة من البكاء والتساؤلات التي تحمل في طياتها الفقد والاشتياق والحب للأم، تسارع الطفلات بالدعاء لأمهن بالفرج القريب، وسط تخوفات من قضاء عيد الفطر وسندس خلف القضبان.

ولعل سارة هي أكثر من يوجع القلوب، فهي المدللة التي تطرح أسئلتها البريئة: أين ماما؟ ومتى تأتي؟ هل تأكل؟ هل يضربونها؟! حالة من الخوف تعيشها العائلة على وضع سندس، لا سيما بناتها، في ظل القمع والتنكيل وسياسة التجويع التي تفرضها إدارة السجون تجاه الأسرى والأسيرات. إذ تتساءل البنات دائمًا عن حالها ووضعها الصحي، والخشية من تعرضها للضرب وحرمانها من الطعام.

وعند سؤالي لمحمد: كيف تصف البيت في ظل اعتقال زوجتك؟ وكيف لك إدارة أمور البنات؟ يقول إن البيت كالميتم دون زوجة، وإنه يواجه صعوبة بالغة في رعاية البنات وفهم احتياجاتهن كما كانت تفعل والدتهن، سواء من سلوك أو مأكل أو مشرب أو تعامل وذوق. لا شك أن غياب سندس القسري ترك فراغًا كبيرًا في حياتنا، ولا يمكن ملؤه إلا هي.

غياب سندس عن البنات

IMG-20260312-WA0014.jpg

يحاول جاهدًا، بمساعدة أهله وأهل زوجته، إدارة أمور بناته من احتياجات يومية ومدرسية، مشيرًا إلى أهمية الجانب العاطفي في التعامل ومحاولة سد الفراغ الكبير الذي تركته سندس في تفاصيل حياتهن اليومية. فمهما بلغ الرجل من القدرة على القيام بأمور رعاية الأطفال وتلبية احتياجاتهن، سيبقى هناك فراغ لا تملؤه إلا الأم، على حد وصف محمد.

لم يتوقع محمد أن يكون الاعتقال لزوجته، خاصة أنه أسير محرر أفرج عنه في بداية شهر يناير الماضي بعد اعتقال دام ٢٦ شهرًا، ليُعاد اعتقاله من جديد لمدة ٩ أيام مع كفالة مالية. ويضيف محمد: “على مدار زواجي بسندس تم اعتقالي عامين ونصف، فيما قضى نحو نصف عام متفرقات عند أجهزة السلطة الفلسطينية. وخلال هذه الفترة كانت سندس بمثابة الأم الواعية والمدركة لهذا الواقع، صابرة، فتحملت أعباء الحياة بحلوها ومرها محتسبة أجرها عند الله”.


اقرأ أيضًا: ثم غاب ساري إلى الأبد.. عن يتيمين وأب شهيد


آخر المعلومات التي وصلت لأهل سندس أنها موجودة في سجن الدامون، وقد عقدت لها جلستان في محاكم الاحتلال، حيث وُجهت لها تهمة التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي. فيما أصدرت المحكمة بحقها “شيكًا مفتوحًا” مدته ١٠١ يوم حتى يتم التباحث في إصدار الحكم، وتم تأجيل المحكمة لحين صدور القرار. أما سندس فكانت صابرة محتسبة.

وعلى أمل الإفراج عن سندس في القريب العاجل، تعيش العائلة حالة ترقب، راجية حريتها قبل انتهاء شهر رمضان الكريم وقضاء عيد الفطر السعيد.