في السنوات الأخيرة، تصاعدت وتيرة اعتقال القاصرين والقاصرات في فلسطين بشكل لافت، في انتهاك واضح لكل القوانين الدولية التي تجرّم احتجاز الأطفال وتعريضهم للتحقيق والاعتقال. لم يعد اعتقال الفتيات تحديداً حدثًا استثنائيًا، بل بات واقعًا متكررًا يطال طالبات المدارس والجامعات، ويترك آثارًا نفسية عميقة تمتد لسنوات طويلة. وفي هذا السياق، تبرز قصة الأسيرة القاصرة سالي محمد عودة صدقة، بوصفها نموذجًا حيًّا لمعاناة الطفولة الفلسطينية خلف القضبان.
سالي فتاة فلسطينية من قرية المدية غرب مدينة رام الله، وُلدت في التاسع من شباط عام 2008، ولم تكن قد تجاوزت السابعة عشرة من عمرها لحظة اعتقالها. تنتمي سالي لأسرة بسيطة عانت كثيرًا خلال السنوات الماضية، خاصة بعد استشهاد شقيقها الأكبر عودة صدقة وهو ما ترك أثرًا نفسيًا عميقًا في حياتها المبكرة.
في الخامس من كانون الثاني عام 2025، جرى اعتقال سالي على خلفية قضية وُصفت بمحاولة طعن. اعتقلت قرب حاجز بيت إيل، لتبدأ منذ تلك اللحظة رحلة قاسية داخل منظومة الاعتقال الاحتلالي الإسرائيلي، غيّرت مجرى حياتها بالكامل.
من هي سالي صدقة؟

قبل اعتقالها، كانت سالي طالبة في الصف الحادي عشر العلمي في مدرسة نعلين الثانوية، تستعد لتقديم امتحانات الثانوية العامة بعد حوالي عام في حينها. كانت متفوقة ومجتهدة، وتحمل أحلامًا بسيطة كبقية فتيات جيلها، إلا أن الاعتقال حرمها من حقها في التعليم، وقطع طريقها الدراسي قسرًا، لتتحول مقاعد المدرسة إلى زنزانة، والكتب إلى قيود.
على المستوى الشخصي، عُرفت سالي بأنها فتاة قوية الشخصية، اجتماعية، محبوبة، تتحمّل مسؤولية تفوق عمرها. كانت السند الحقيقي لإخوتها الصغار، خاصة بعد استشهاد شقيقها الأكبر عودة صدقة، وهو الحدث الذي شكّل نقطة تحوّل قاسية في حياتها إذ تقول والدتها أنهم كانوا مثل التوأم في ارتباطهم ببعضهم. فقد ترك استشهاده جرحًا عميقًا في روحها، وحمّلها مسؤوليات تفوق طاقتها، لكنها رغم ذلك حاولت التماسك والاستمرار من أجل عائلتها.
اقرأ أيضًا: "جكَر خلّوا الضو مضوي كل الليل": شهادات الأسيرات من سجن الدامون
بعد اعتقالها، نُقلت سالي إلى سجن المسكوبية حيث خضعت لتحقيق قاسٍ استمر قرابة شهرين. خلال هذه الفترة تعرضت للضرب، والعزل، والحرمان من أبسط مقومات الحياة الإنسانية، إضافة إلى تعريضها للبرد القارس عبر تشغيل المكيفات بشكل متواصل. لم يُراعَ كونها قاصرًا، ولا حالتها النفسية المتأثرة أصلًا باستشهاد شقيقها. كانت معزولة تمامًا، لا ترى أحدًا، وتعيش تحت ضغط نفسي وجسدي شديد.
عقب انتهاء التحقيق، جرى نقلها إلى سجن الدامون، حيث انقطع التواصل معها بشكل شبه كامل. لم تسمع العائلة صوتها، واقتصر الاطمئنان عليها عبر زيارات المحامي النادرة فقط. العائلة تؤكد أن التواصل من قبل هيئة شؤون الأسرى كان ضعيفًا للغاية وهناك تقصير واضح من قبلهم وكآخر زيارة لها كانت في شهر آب، رغم صغر سنها وحاجتها الماسة للدعم النفسي والحقوقي، إلا أنه جرى زيارتها من قبل المحامي حسن عبادي تطوعًا.
العائلة تفتقدها

جاء اعتقالها صدمةً كبيرة للعائلة، خاصة أنها كانت عماد البيت بعد فقدان شقيقها. وقع الخبر كان قاسيًا على الجميع، وعلى إخوتها الصغار بشكل خاص، الذين لم يفهموا سبب غيابها المفاجئ. سيلين، يوسف البالغ من العمر ست سنوات، وعودة الذي لم يتجاوز العامين والنصف، وجدوا أنفسهم فجأة دون أختهم الكبرى التي كانت تمثل لهم الأمان والرعاية. غيابها ترك فراغًا لا يُملأ، ورفض الأطفال دخول غرفتها أو لمس أغراضها، وكأنهم يحاولون الحفاظ على وجودها بأي شكل.
لم تتوقف معاناة العائلة عند هذا الحد، بل تعرض المنزل لاقتحامات متكررة. ففي يوم اعتقالها، داهمت قوات الاحتلال البيت وفتشته واعتقلت والدها وقد أفرج عنه لاحقًا، ثم عادت قوات الاحتلال بعد أسبوع تقريبًا واعتقلت والدتها ليومين. الأطفال عاشوا لحظات رعب حقيقية، خاصة في ظل غياب الحماية وعدم قدرتهم على فهم ما يجري.
خلال التحقيق، تعرضت سالي لضغط نفسي شديد وتهديدات مباشرة بإيذاء عائلتها. ووفق ما نقله المحامي، فقد تأثرت سالي بانقطاعها المفاجئ عن الحياة دون رؤية الشمس، محتجزة في مكان تحت الأرض، بلا تواصل إنساني، وبلا إدراك للزمن. ظروف لا يمكن تخيلها لفتاة لم تبلغ الثامنة عشرة.
تحقيق لشهرين

في سجن الدامون، وُضعت في غرفة مع أسيرة قاصرة أخرى تُدعى هناء حماد. الغرفة كانت مراقبة بالكاميرات بشكل كامل، دون أي خصوصية، ودون وجود أسيرات أخريات. العزلة كانت مضاعفة، والخوف دائم. قبل أيام قليلة فقط، أي بعد قرابة عام من اعتقالها نُقلت إلى غرفة مع باقي الأسيرات، ما شكّل تحسنًا نسبيًا في وضعها النفسي، حيث بدأت تتلقى بعض الدعم المعنوي منهن.
الأسيرات المحررات اللواتي التقين بها أكدن أنها قوية وصابرة، وتحاول التماسك رغم كل ما تمر به. إلا أن القلق على حالتها النفسية لا يفارق عائلتها، خاصة أنها لا تزال طفلة، وتعيش تجربة قاسية قد تترك آثارًا طويلة الأمد.
تصف العائلة ظروف الحياة داخل السجن وفق ما نقل لها بالقاسية جدًا. الطعام سيئ، لكنه واقع مفروض لا خيار أمام الأسيرات سوى التكيف معه. أما القمع، فرغم أنه أخف نسبيًا كونها قاصرًا، إلا أنه حاضر دائمًا. رؤية القمع الذي يُمارس على الأسيرات الأخريات، وسماع الصراخ، ومراقبة الاقتحامات، كل ذلك يترك أثرًا نفسيًا عميقًا. وبحكم وجود غرفتها قرب مكتب الإدارة، كانت سالي تشعر بالتحركات قبل غيرها، وكانت تحذر الأسيرات قائلة: "في قمع جاي… حضروا حالكم".
اعتقال دون محاكمة

وعندما سُئلت والدتها عمّا يمكن أن تقوله لها لو سنحت الفرصة، كان الجواب واحدًا: "التمسك بالإيمان. أن تبقى واثقة بأن الله لن يتركها، وأن ما تمر به لن يضيع سدى. تقول أيضاً "سالي كانت فرحة العمر، والأمل اللي انتظرنا أن يعوضنا بعد استشهاد شقيقها، وكان حلمي اللي بحكيلها إياه دايمًا إنها تنجح في التوجيهي" لكن الاعتقال سرق هذه اللحظة.
ورغم الألم، تحاول العائلة التخفيف عن نفسها باستحضار معاناة أهالي غزة وطلبتهم الذين حُرموا من التعليم لعامين متتاليين. تقول الأم إن هذا لا يُنهي الوجع، لكنه يمنحها قدرة على الصبر، مضيفة: "ما بحس بالوجع غير اللي فيه نار".
اقرأ أيضًا: الأسيرة هناء حماد: طفلة في أقبية السجن تنتظر العودة
وفي ختام حديثها، توجّه العائلة نداءً للمؤسسات الحقوقية والعالم أجمع. أن يكونوا على قدر ولو بسيط من المسؤولية تجاه شعاراتهم وتسأل الأم بحرقة عن هذا الغياب، مؤكدة أن ما يجري يتم في صمت مخيف، وكأن ما يحدث لا يعني أحدًا.
قصة سالي ليست حالة فردية، بل صورة لواقع عاشته عشرات الفتيات الفلسطينيات خلف القضبان. طفولة وشباب مسلوبان، تعليم متوقف، وأيام تُسرق من العمر في الزنازين. ومع ذلك، تبقى سالي، كما تصفها عائلتها، قوية، صابرة، متمسكة بإيمانها، تنتظر الفرج… كما ينتظره كل بيت فلسطيني يعرف جيدًا معنى الغياب القسري.

