جغرافيًا يُمثّل الرباط بالثلة المؤمنة حول الأرض المباركة في المسجد الأقصى، أما عقائديًا فيمتد ليصل أمةً ارتضت لها الإسلام دينًا، ووصفها النبي بأنها كالجسد، إءا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمى...
وفي هذا الجسد الواحد، نساء تلتف قلوبهن حول المسجد الأقصى، لم تثنيهن بعد المسافات، ولا كثرة المسميات القومية أو العرقية، يدركن أن لرابط الدين واجبًا يُقدم، وجهدًا يجب أن يبذل، وأن المريد لابد له أن يصل، فمن أراد الرباط، وجد طريقه إليه...
إلى تلك الثلة من النساء نكتب، لنكون حلقة وصل بين من أراد وصلًا بالقدس، وبين أهلها ومرابطاتها، بين من يبغي وصلًا وبين من يحيا معاني الرباط واقعًا يوميًا معاشًا.
إن ظاهرة الرباط في المسجد الأقصى، مكانًا دينيًا وعقديًا، تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية متجذّرة فضلًا عن كونها فعًلا مقدسًا يتجاوز المسجد الأقصى في سياق مكاني إلى القدس باعتبارها مدينة يُنظر إلى الصراع في حدود وجودها. وإذ تقف في قلبها نساء حملن عبء الثبات في أكثر البقاع حساسيةً وتعقيدًا. في ظل سياسات الاعتقال والإبعاد والتضييق، برزت المرابطات المقدسيات بوصفهن فاعلات أساسيات في مشهد الدفاع عن المسجد الأقصى، لا من منطلق عاطفي فحسب، بل ضمن وعيٍ متكاملٍ بطبيعة الصراع على المكان والهوية والرواية.
هذا التقرير يرصد نماذج من المرابطات اللواتي واجهن الاعتقال والإبعاد والتنكيل، ويقارب تجربتهن من زاوية تمزج بين التوثيق الميداني والقراءة التحليلية لدور المرأة في معادلة الصمود المقدسي. كما يوجّه نداءً إلى نساء الأمة العربية والإسلامية للانخراط في مسؤولية الدعم المعنوي والحقوقي والإعلامي، باعتبار أن الرباط ليس فعلًا مكانيًا فحسب، بل موقفًا جامعًا يتجاوز حدود الجغرافيا.
زينة عمرو: معركة الوعي قبل المكان

إن الرباط في معناه الديني هو الثبات في موضع يُخشى عليه، حمايةً له وصونًا لهويته. وقد ارتبط في الوعي الإسلامي بحراسة الثغور والدفاع عن المقدسات، وهو مفهوم يستند إلى أصول شرعية، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ويُفهم الرباط هنا بوصفه حالة مركبة من الصبر والمصابرة والالتزام الواعي.
في السياق المقدسي، اكتسب الرباط بعدًا إضافيًا، إذ بات مرتبطًا بحماية المسجد الأقصى من محاولات فرض واقع جديد في ساحاته، سواء عبر الاقتحامات المتكررة أو القيود المفروضة على دخول المصلين. ومن هنا تشكّل حضور المرابطات في الأقصى بوصفه فعلًا يوميًا مقصودًا، يقوم على التواجد الدائم، والمشاركة في حلقات العلم، وتعزيز الوعي الديني والتاريخي بالمكان.
إلا أن هذا الحضور لم يمرّ دون تبعات، إذ واجهته سلطات الاحتلال بجملة من الإجراءات، شملت الاعتقال المتكرر، والإبعاد لفترات متفاوتة، والمنع من السفر، إضافة إلى الاعتداء الجسدي واللفظي. ورغم ذلك، استمرّت المرابطات في أداء دورهن، معتبرات أن الرباط عبادة وموقف، وأن حمايتهن للمكان هي جزء من حماية الهوية.
وتُعدّ زينة عمرو من الأسماء البارزة في صفوف المرابطات. وُلدت في الخليل عام 1964، ونزحت مع عائلتها إلى الأردن بعد النكسة، قبل أن تعود إلى البلاد وتتزوج من المقدسي جمال عمرو، المختص في الشؤون المقدسية. عاشت بين محطات الغربة والعودة، لتستقر في القدس وتكرّس حياتها للرباط في المسجد الأقصى برفقة أسرتها.
حصلت زينة على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة القدس المفتوحة، ثم نالت درجة الماجستير في الدراسات المقدسية من جامعة القدس، حيث كان مقر دراستها قريبًا من باب القطانين. هذا التخصص لم يكن خيارًا أكاديميًا بحتًا، بل امتدادًا لقناعتها بأن الصراع على الأقصى هو صراع وعي بالدرجة الأولى.
اقرأ أيضًا: عائلة الشيخ ماجد حسن: فردًا فردًا على قوائم الأسرى
تقول إن دراستها عمّقت فهمها لتاريخ المسجد ومكانته، وجعلتها أكثر إدراكًا لأهمية نقل المعرفة للأجيال. وكانت من أوائل المدرسات اللواتي درّسن مادة التعريف بالمسجد الأقصى في حلقات العلم. وتؤكد "إن معركتنا معركة وعي، ومن يتخلى عن الأقصى فهو غير واعٍ بحقيقة المكان".
تعرضت زينة لأكثر من اثني عشر اعتقالًا، وكان أولها عام 2013 من أصعبها، حين خُيّرت بين توقيع قرار إبعادها عن الأقصى أو استمرار اعتقالها. كما تعرّضت لاعتداءات جسدية تسببت بكسور في الفك والأسنان والقدم، إضافة إلى إصابة في الرأس. ومع ذلك، ترى أن العمل للأقصى لا يقتصر على الحضور الجسدي، بل يشمل الكلمة والتثقيف وحمل قضيته في كل محفل.
عايدة الصيداوي: جارة الأقصى

في السياق المقدسي، اكتسب الرباط بعدًا إضافيًا، إذ بات مرتبطًا بحماية المسجد الأقصى من محاولات فرض واقع جديد في ساحاته، سواء عبر الاقتحامات المتكررة أو القيود المفروضة على دخول المصلين. ومن هنا تشكّل حضور المرابطات في الأقصى بوصفه فعلًا يوميًا مقصودًا، يقوم على التواجد الدائم، والمشاركة في حلقات العلم، وتعزيز الوعي الديني والتاريخي بالمكان.
إلا أن هذا الحضور لم يمرّ دون تبعات، إذ واجهته سلطات الاحتلال بجملة من الإجراءات، شملت الاعتقال المتكرر، والإبعاد لفترات متفاوتة، والمنع من السفر، إضافة إلى الاعتداء الجسدي واللفظي. ورغم ذلك، استمرّت المرابطات في أداء دورهن، معتبرات أن الرباط عبادة وموقف، وأن حمايتهن للمكان هي جزء من حماية الهوية.
تؤمن عايدة أن "كل القدس رباط"، وأن الثبات لا يقتصر على داخل الأقصى، بل يشمل البيوت والشوارع وأماكن العمل. ورغم الإبعاد، لا تزال تتمنى أن تدخل الأقصى وتصلي فيه بحرية، معتبرة أن هذه الأمنية تختصر سنوات من الحرمان القسري.
وفي منزل يطل على المسجد الأقصى قرب باب الحديد، تعيش عايدة الصيداوي (63 عامًا)، التي تزوجت من مقدسي عام 1976، لتصبح واحدة من "جارات الأقصى". ارتبطت حياتها اليومية بساحاته؛ حضرت حلقات القرآن والتفسير، وشاركت النساء في تنظيف المسجد، معتبرة ذلك جزءًا من شرف الخدمة.
شهدت عايدة أحداثًا مفصلية، منها هدم جسر المغاربة عام 2007، حيث كانت ترابط في الأقصى، ومع كل حجر يسقط كانت ترفع صوتها بالتكبير، دعمًا للمرابطين في الساحة الخارجية. تعرّضت للإبعاد أكثر من مرة، وجُدد قرار إبعادها مؤخرًا لمدة ستة أشهر إضافية. تؤمن عايدة أن "كل القدس رباط"، وأن الثبات لا يقتصر على داخل الأقصى، بل يشمل البيوت والشوارع وأماكن العمل. ورغم الإبعاد، لا تزال تتمنى أن تدخل الأقصى وتصلي فيه بحرية، معتبرة أن هذه الأمنية تختصر سنوات من الحرمان القسري.
سماح محاميد: الصوت في وجه الاقتحام

تنحدر سماح محاميد (33 عامًا) من مدينة أم الفحم في الداخل الفلسطيني، لكنها ارتبطت بالقدس رباطًا دائمًا. عُرفت بصوتها الذي يصدح في وجه اقتحامات المستوطنين مرددة عبارات تؤكد هوية المسجد الإسلامية. هذا الموقف عرّضها للضرب والاعتقال المتكرر منذ أول إبعاد لها عام 2018.
لم تقتصر الإجراءات على ساحات الأقصى؛ إذ تعرّض منزلها للمداهمة والعبث بمحتوياته، في محاولة للضغط عليها. وتصف إبعادها عن الأقصى بأنه "إبعاد عن البيت والموطن"، مؤكدة أن أقسى ما يعيشه المرابط هو حرمانه من المكان الذي ارتبط به روحيًا.
ومع ذلك، تشدد سماح على أن الرباط يمكن أن يكون بالكلمة والدعاء ونشر الوعي، داعية إلى جعل قضية الأقصى حاضرة في خطاب الأمهات والمعلمات والناشطات، حتى يبقى الجيل الجديد على صلة بمكانته الدينية والتاريخية.
نفيسة خويص: الرباط حتى آخر العمر

أما نفيسة خويص (67 عامًا)، فقد تحولت إلى رمز من رموز الرباط النسوي في القدس. أُبعدت عشرات المرات منذ عام 2009، وتعرّضت للاعتقال والضرب في أكثر من منطقة، منها سلوان والعيسوية وباب العامود والشيخ جراح. ورغم الإصابات التي لحقت بها، تصرّ على أن الذي سيمنعها من الرباط هو الموت وحده.
توجه نفيسة نداءً متكررًا إلى المسلمين في العالم لتحمّل مسؤولياتهم تجاه القدس، مؤكدة أن الأقصى ليس شأنًا فلسطينيًا محضًا، بل قضية أمة. وتختصر تجربتها بوعيٍ بأن الصمود ليس حدثًا طارئًا، بل مسارًا طويلًا من الثبات المتراكم.
اقرأ أيضًا: كيف أصبحت هنادي الحلواني المرأة الأخطر في مدينة القدس؟
مسؤوليتنا... أيتها الحرائر، إن الحديث عن هذه النماذج لا يعني حصر الرباط بهن، فهناك آلاف النساء اللواتي يخضن التجربة ذاتها بصمت. كما أن كل فلسطيني في القدس يمكن اعتباره مرابطًا بحكم وجوده في مدينة تتعرض لضغوط يومية. غير أن الرسالة الأوسع تتوجه إلى نساء الأمة، فالدعم لا يشترط الوجود عند البوابات، بل يبدأ من البيوت والمؤسسات ووسائل الإعلام. كل كلمة توعية، وكل نقاش صادق حول تاريخ القدس، وكل مشاركة في برامج تثقيفية، هو امتداد لخط الدفاع الأول.
الرباط اليوم يتخذ أشكالًا متعددة: تثقيفية، إعلامية، حقوقية، وروحية. وهو مسؤولية جمعية تتقاسمها النساء كما الرجال. وبين الفعل الميداني للمرابطات في القدس، والدعم المعنوي والمعرفي خارجها، تتشكل شبكة صمودٍ متكاملة، قوامها الإيمان والوعي والاستمرار. هكذا تصير الزنزانة محطةً في مسار الصبر، ويغدو الإبعاد اختبارًا للثبات، بينما تبقى القدس مركز الحكاية، ونساءها عنوانًا لمرحلةٍ يتقاطع فيها الإيمان بالفعل، والمعرفة بالموقف، والصبر بالفعل اليومي المتجدد.

