بنفسج

شيماء أبو غالي: أسيرة وأم وابنة شهيدة

الخميس 08 يناير

الأسيرة شيماء أبو غالي
الأسيرة شيماء أبو غالي

لم تكن لحظة اعتقال شيماء أبو غالي عادية أبدًا؛ كانت فجائية وصادمة. هم عائلة تعرف الحصار والمداهمات، لكن في منطق الاحتمالات لم يكن اعتقالها واردًا. كان جرحهم طازجًا بعد استشهاد والدتهم التي استهدفها الجيش الإسرائيلي في بيتهم، واعتُقلت آنذاك العائلة كلها، وعلى رأسها شقيقها المطلوب للاحتلال أحمد أبو غالي، فيما كان بيتهم الثاني التي تتواجد فيها شيماء وشقيقها عبدالله وعائلته محاصرًا أيضًا. بعد مدة وجيزة اقتحم الجيش منزل العائلة ثانية ليعتقل شيماء دون تهمة.

هنا تروي شقيقتها سارة أبو غالي عن لحظة مداهمة البيت واعتقال شيماء، وعن كيف قتل الجيش الإسرائيلي والدتها واعتقل شقيقيها أحمد وعبدالله، وعن وجع أن يكون كل أشقائك داخل السجون الإسرائيلية، واليُتم في غياب الأم والأخت، وعن ابن شيماء عمر وافتقاده لأمه.

عن اعتقال شيماء

inbound5322893856794489813.jpg

في 29 أبريل 2025، وتحديدًا الساعة الثالثة فجرًا، استيقظت سارة أبو غالي بعد سماع أصوات غريبة تأتي من خارج البيت. لم تُدرك ما الذي يحصل حتى سمعت الأصوات تقترب، وصار الصوت واضحًا باللغة العبرية. خرجت من غرفتها تتفحص ما الذي يجري، لتجد البيت كله مليئًا بالجنود الإسرائيليين.

تقول: “ذُهلت فور رؤيتهم يحيطون بي، يوجهون أسلحتهم نحوي، ويطلبون أن أرفع يدي للأعلى، وسألوني عمّن بداخل الغرف فأجبتهم. كانت شيماء وقتها تُغلق باب غرفتها بالمفتاح لترتدي ملابسها، فصاروا يطرقون على الباب بشكل همجي حتى خرجت لهم”.

احتجز الجنود العائلة كلها في صالون البيت، وبدأ التحقيق المصغر، وشرعوا في تفتيش الهواتف. ليجدوا على هاتف ابن شيماء، عمر، مجموعة صور، فيصرخ الضابط: “صور إرهابيين”. وراح يصرخ في وجه والد شيماء المُسن ويسأله لمن الهاتف، وكيف يوجد عليه هكذا صور، ليجيبه بأن الهاتف لطفل ولا أحد يعلم ما الذي يوجد في هاتفه.


اقرأ أيضًا: نيرمين شعث: ليلة أن فقدت جنيني وقدمي وعائلتي


وبعدما أنهوا عمليات التخريب في البيت وتخويف الأطفال، اقتاد الجيش شيماء معهم للاعتقال. صارت سارة تسأل الضابط بصوت مرتجف: “لماذا؟ وما هي التهمة؟” لكنها لم تجد إجابة. داهمها شعور في تلك اللحظة أن هذا الوداع يشبه وداع والدتها الشهيدة التي قُتلت على يد جندي إسرائيلي بعد توجيه الرصاص نحوها بشكل مباشر.

تقول: “عزّ عليّ طلعتها من الدار هيك، اتذكّرت يوم ما طلعنا أمي شهيدة. كانت ثابتة، ما بكت، حضنت ابنها عمر اللي كان يبكي بين أحضانها. أمّا أنا صرت أصرخ على الجيش: قتلتوا إمي وجايين تعتقلوا أختي، ودخلت بحالة عصبية شديدة”.
غادروا برفقة شيماء ثم داهموا العيادة وأعاثوا فيها خرابًا كما البيت، ولم يجدوا أي شيء يستدعي اعتقال شيماء. اقتادوها نحو المخيم، ثم الجلمة، فالمسكوبية، وأخيرًا سجن الدامون، ليُحكم عليها بالسجن الإداري الذي جدد مؤخرًا لأربعة أشهر أخرى.

يوم أن قتلوا الحاجة فايزة

inbound1310217271885886876.jpg

كانت شيماء ما تزال تعيش حزنها على رحيل والدتها التي قُتلت بالرصاص بشكل همجي أثناء مداهمة بيتهم التي كانت فيه رفقة زوجها وابنها أحمد وأحفادها. كانت تتساءل: هل ماتت فورًا؟ هل رأت الرصاص المتطاير نحوها أم ماتت من الرصاصة الأولى؟ ليعتقلوها وهي غير قادرة على احتمال أي شيء.  تقول سارة: “ترسل لنا شيماء في رسائلها من السجن أنها تشتاق لأمي، وتود زيارة قبرها، وكلما سمعت أمنيتها زرت قبر أمي وبكيت”.

لدى شيماء طفل اسمه عمر يبلغ من العمر 14 عامًا، وهي منفصلة عن والده، بعد اعتقال والدته وأخواله، لم يتبقَ من يعيش معهم، فسافر إلى والده في الإمارات، ثم عاد ليستقر مع عائلة أبيه في رام الله. تضيف: “يتصل بي بشكل دائم يسألني عن أخبار والدته، وماذا ترسل له من رسائل في الزيارات. يفتقدها بشدة، وينتظر حريتها بشوق. في الجلسة الأخيرة كان متأملًا أن تخرج، لكنه فوجئ بتجديد السجن الإداري”.

كتبت شيماء في رسائلها قبل التجديد: “جهزوا الدار، هيني هروح”. لكن الاحتلال غدر بها وبالعائلة وجدد لها السجن الإداري، لتظل تعاني من سياسة التنكيل والتفتيش العاري، التي أكّدتها في رسائلها مع المحامي. وفي الرسالة الأخيرة قالت: “قولوا لإخوتي إنني أمّهم وسندهم… الله يلم شملنا”.