بنفسج

والد الأسيرة جنى أبو وردة: "لو اعتقلوني أهون علي من اعتقال بنتي"

الإثنين 22 يونيو

الأسير القاصر جنى أبو وردة
الأسير القاصر جنى أبو وردة

في التاسعة عشرة من عمرها، كانت جنى إحسان محمد أبو وردة تمضي في طريق رسمته لنفسها بهدوء وثبات. طالبةً في كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة الظاهرية، كرّست جزءًا كبيرًا من حياتها للقرآن الكريم؛ حفظًا وتجويدًا وإعرابًا وتفسيرًا، حتى صار محور يومها ووجهتها الأثيرة.

يصفها والدها، الذي تواصلنا معه لإعداد هذا التقرير، بأنها فتاة قوية وقريبة إلى الله عز وجل، “صوّامة قوّامة”، مطيعة لوالديها، وحافظة لكتاب الله. ولم يكن تعلقها بالقرآن مجرد دراسة أكاديمية، بل أسلوب حياة؛ فقد حصلت على شهادات متقدمة في التجويد، وتميّزت في علوم القرآن، ولا سيما قواعد التجويد وإعراب القرآن الكريم.

اعتقال بتهمة التحريض

الأسيرة القاصر جنى أبو وردة

وكان حلمها الأكبر قبل الاعتقال أن تثبّت حفظها للقرآن، وهو الحلم الذي ما تزال تتمسك به حتى اليوم من خلف القضبان. إلى جانب ذلك، عُرفت جنى بحبها للكتابة والشعر، واهتمامها بكل ما يقرّب الإنسان إلى الله، وحرصها على متابعة كل ما هو جميل ونافع. لكن ما يميز جنى في نظر عائلتها لم يكن تفوقها العلمي والديني فقط، بل شخصيتها الاجتماعية أيضًا. يقول والدها إنها من أقرب بناته إلى قلبه، وإن محبتها تمتد داخل الأسرة وخارجها، حتى بين أفراد العائلة الممتدة.

ويضيف: “هي من الركائز الأساسية في أي جلسة، وكأن حضورها يملأ المكان”. ويصفها بأنها صاحبة حضور لافت وشخصية محبوبة في جامعتها، وبين أهلها، وفي محيطها الاجتماعي. حتى بعد اعتقالها، لم تتوقف عن التفكير بعائلتها وتفاصيل أيامهم. ففي إحدى زيارات المحامية، أوصتهم قائلة:
“اجلسوا وصوّروا لي جلساتكم وقعداتكم حتى لو أنا مش موجودة”. وكانت تحب أن يناديها والدها باسم “جوجو”، الاسم الأقرب إلى قلبها.

في الثاني عشر من شباط/فبراير 2026، اقتحمت قوات الاحتلال منزل العائلة واعتقلت جنى. كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، والبرد قارسًا. جرى الاعتقال بسرعة وبطريقة وصفها والدها بأنها “متوحشة”، حتى إنها لم تتمكن من ارتداء شيء سوى لباس الصلاة قبل اقتيادها.

أهون علي لو اعتقلونا كلنا

القاصرات في السجون

يقول والدها إن جنى بدت قوية في تلك اللحظات، لكن الاعتقال ترك أثرًا عميقًا على العائلة، وخاصة والدتها التي فقدت وعيها أكثر من مرة. “الأم قلبها دائمًا أحن”. أما العائلة كلها، فقد تلقت الخبر بصدمة كبيرة، خاصة أن جنى لم تتوقع يومًا أن تمر بهذه التجربة، ولم تكن تعرف شيئًا عن واقع السجون.

ورغم أن العائلة سبق أن خاضت تجربة الاعتقال، إذ تعرض والدها ووالدتها للاعتقال سابقًا، إلا أن والدها يضيف: “كان أهون علينا أن نُعتقل جميعًا من أن تُعتقل جنى؛ لصغر سنها أولًا، ولأنها فتاة ثانيًا”. من خلال زيارات المحامين، تنقل جنى صورة عن ظروف إنسانية بالغة الصعوبة داخل سجن الدامون. تقول إن الطعام قليل وغير كافٍ، وإن الخيارات محدودة للغاية؛ فبعض الوجبات لا تتجاوز كمية بسيطة من الأرز أو الشوربة غير المطهوة جيدًا، مع غياب شبه كامل للأطعمة الكافية.


اقرأ أيضًا: الأسير محمد عزيزي.. زنزانة تجدد إداريًا


وتضم الغرفة الواحدة ما بين ثماني إلى اثنتي عشرة أسيرة، في حين لا يتوفر سوى أربعة أسرّة، الأمر الذي يجبر عددًا منهن على النوم على الأرض. وتتحدث جنى كذلك عن الحرمان من الخروج إلى الساحة لفترات طويلة، إلى جانب تقييد الزيارات العائلية وزيارات المحامين. وبحسب ما نقلته لعائلتها، فإن الاقتحامات داخل السجن تتكرر بصورة مستمرة.

وفي آخر زيارة للمحامية، تحدثت عن اقتحام وقع فجرًا، حيث طُلب من الأسيرات الانبطاح على الأرض، ثم أُبقين في الساحة مدة طويلة. كما أشارت إلى أن بعض الأسيرات تعرضن للضرب، وأن القمع رافقه استخدام قنابل صوت ودخان. وأضافت أن في القسم ثلاث أسيرات حوامل، مؤكدة أنهن لم يتعرضن للضرب خلال ذلك الاقتحام.

خلال أشهر الاعتقال، انخفض وزن جنى بشكل واضح. دخلت السجن بوزن 64 كيلوغرامًا، أما اليوم فقد أصبح وزنها 52 كيلوغرامًا. وتقول عائلتها إن الظروف النفسية داخل السجن صعبة على جميع الأسيرات، وإن جنى، مثل غيرها، تتأثر بما تعيشه من ظروف قاسية. كما أنها بحاجة إلى نظارات، إلا أن إدخالها إليها يحتاج إلى إجراءات قانونية وموافقات.

كبرت أعواما

IMG-20260621-WA0004.jpg
 

“أنا بخير.. ودموعي إن نزلت فستكون شوقًا” في رسالتها الأخيرة التي نقلتها المحامية، قالت جنى إنها موجودة في الغرفة الخامسة من القسم الثالث، ويبلغ عدد الأسيرات فيها اثنتي عشرة أسيرة. ورغم كل ما تمر به، تؤكد لعائلتها أنها بخير، وأنها صابرة ومحتسبة، وترى في ما تعيشه اختبارًا للصبر والثبات. قالت لهم: “اشتقت لكم كثيرًا، وأدعو الله أن تمر هذه الأيام”.

كما نقلت إليهم أبياتًا تحفظها: “وكل المآسي غدًا تختفي وإن مآل السجون الفناء” “ودفنّا الشوق في أعماقنا ومضينا في رضى واحتساب”وتؤكد أنها راضية ما دام والداها راضيين عنها. أما عن دموعها، فتقول: “ما نزلت من عيني دمعة، وإن نزلت فستكون دمعة شوق لا دمعة ضعف”. وتحدثت عن عيدها داخل السجن، مؤكدة أنها قضته مع الأسيرات، وأنها ما تزال متمسكة بحلم تثبيت حفظ القرآن الكريم، ومواصلة هذا الطريق بإذن الله. وفي رسالة خاصة لوالدها قالت: “يا أبي، سوف أمضي مثلما كنت تلقاني في وجه الصعب”.


اقرأ أيضًا: قبر انفرادي: الاحتلال ينتقم من بطل نفق الحرية مناضل نفعيات


تواجه جنى تهمة “التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي”. ويقول والدها إن هذه التهمة أصبحت تُوجَّه إلى كثير من الفتيات، وإنها تُبنى أحيانًا على منشورات أو تفاعلات عبر مواقع التواصل. وتتابع العائلة القضية من خلال محامية خاصة، رغم الأعباء المالية الكبيرة التي يفرضها ذلك. وتنتظر جنى جلسة محكمة جديدة خلال الأيام المقبلة، وسط محاولات قانونية للاستفادة من أي فرصة قد تسهم في تخفيف الحكم المتوقع.

“أبيع سيارتي مقابل أن تعود” اختارت العائلة توكيل محامية خاصة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة. يقول والدها: “أبيع سيارتي مقابل أن تعود ابنتي إلى البيت”. ويضيف أنه سبق أن تعرض للاعتقال، وأن للعائلة أخًا شهيدًا، كما هُدم منزلهم عام 1996، لكن كل تلك التجارب كانت أهون عليهم من اعتقال جنى.

وفي ختام حديثه، يعود لوصف ابنته: “جنى إنسانة سبق فهمها وعقلها عمرها، مثقفة واجتماعية وضحوكة وبشوشة، ومن يعرف جنى تدخل في قلبه مباشرة”. ثم يختصر كل ما يريد أن يعرفه الناس عنها بجملة واحدة: “جنى من دار أبو وردة، لكنها وردة فعلًا”.