هل فكرت في التواصل مع أهل أسير؟ هل تدرك قيمة الطبطبة على كتف زوجة أسير؟ هل بحثت يومًا عن قصة أسير؟! غالبيتنا نقرأ أرقامًا وأخبارًا مجرّدة عن الاعتقالات، لكن خلف هذه الأرقام قصصًا إنسانية مؤثرة؛ زوجات أنهكهن الانتظار، وأمهات يكتوين بنار البعد، وأطفال أبصروا نور الحياة على صور آبائهم فقط، وكبروا على حكاياتهم وذكراهم، بمشاعر ممزوجة بالألم والقهر والشوق إلى لقاء طال انتظاره، أو لقاءات عابرة يقطعها شبح الاعتقال.
صابرون نعم – أهل الأسرى – لكنهم يتلوّعون شوقًا إلى لحظة عناق أحبّتهم، لحظة تُذهب عنهم شيئًا من الحزن. وبينما كنت أتصفح على فيسبوك، لفتني منشور على صفحة السيدة تيماء عبد الحكيم حنيني، جاء فيه: "للمرة السابعة على التوالي، محكمة الاحتلال تجدد الاعتقال الإداري لزوجي طلال أبو عصبة مدة أربعة أشهر.. الحمد لله صبرًا وشكرًا ورضًا".
جحيم الاعتقال الإداري

بعد التواصل معها، لمست في حديثها رضا وسكينة، وإيمانًا عميقًا بوعد الله للصابرين المحتسبين، وأن ما عند الله خير وأبقى، وأن مع العسر يسرًا، ومع الصبر فرجًا. ومما لا شك فيه أن الإيمان بالله وقضائه من المسلمات، لكن ذلك لا يلغي مرارة البعد؛ فالمحب قد يقضي ليالي طويلة باكيًا على حبيب أُرغم على البعد، يسكب الدمع شوقًا، ويعيش حالة من الحزن والقهر المتواصل في ظل احتلال يتلذذ بعذابات الفلسطيني.
وعقب حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، اعتقلت قوات الاحتلال الأسير المحرر طلال عوض الله أبو عصبة عقب اقتحام منزله في قرية رافات غرب سلفيت، لتحوّله إلى الاعتقال الإداري، وما إن تنتهي مدة التمديد حتى يصدر قرار جديد بتمديد اعتقاله.
اقرأ أيضًا: مراد الرجوب محررًا في وفاء الأحرار.. مبعدًا إلى غزة شهيدًا فيها
عامان وثمانية أشهر قضاها أبو عصبة خلف القضبان في ظروف غاية في الصعوبة، في ظل ما يتعرض له الأسرى من تعذيب وتنكيل وتجويع، وسياسات عقابية تمس مختلف جوانب حياتهم اليومية، الأمر الذي فاقم من معاناتهم وأثقل كاهل عائلاتهم القلقة على مصيرهم وأوضاعهم الصحية.
كان أبو عصبة السند والسكن والوطن لتيماء، وعوّضها عن غياب أهلها المبعدين قسرًا عن وطنهم بقرار من الاحتلال؛ إذ إن والدها، الأسير المحرر عبد الحكيم حنيني، تحرر في صفقة وفاء الأحرار عام 2011 بعد قضاء تسعة عشر عامًا من أصل حكمه البالغ مؤبدًا، وأُبعد حينها إلى قطر. وما زاد الغصة منع الاحتلال سفرها لزيارة أهلها منذ عام 2021.
أسير من قبل زواجه

ومع اعتقال زوجها، فقدت دفء السكن ورفقة الحبيب، وتضاعف ما تحمله في قلبها من حزن واشتياق. ورغم ثقل الغياب وطول الانتظار، تختم إجاباتها بالحمد والشكر لله، فهي متيقنة بأن الفرج آتٍ، وأن ما عند الله خير. خمسة عشر عامًا هي عمر زواج تيماء وطلال، إلا أن ما عاشاه معًا تحت سقف واحد لا يتجاوز نصف هذه المدة، بسبب الاعتقالات المتكررة التي لاحقته على مدار سنوات حياتهما، وحتى اللحظة لم يرزقهما الله أطفالًا.
ولم تبدأ رحلة الأسر بعد الزواج، فقد سبق أن ذاق مرارة الاعتقال قبل ارتباطه بها، ليصل مجموع ما قضاه خلف القضبان حتى اليوم إلى أربعة عشر عامًا. وجلّ ما تعرفه تيماء عن زوجها أنه مصاب بمرض السكابيوس، وهو مرض جلدي معدٍ يسبب حكة شديدة وظهور طفح جلدي، ويعاني منه عدد من الأسرى.
اقرأ أيضًا: الصحفيون الفلسطينيون: شهود الرواية في سجون الاحتلال
وأبدت السيدة تيماء تخوفًا بالغًا على حياة زوجها في ظل معاناته من المرض، وما يواجهه من ظروف قاسية داخل السجون إلى جانب رفاقه الأسرى، وتقول إن الأوضاع التي يعيشونها لا تمت إلى الإنسانية بصلة، في ظل سياسات التنكيل والتجويع والحرمان، حتى باتت السجون، في نظر الأسرى وعائلاتهم، مقابر للأحياء.
وتضيف: "المعلومات التي تصلنا شحيحة، كل ما نعرفه أنه معتقل في سجن النقب، وفقد من وزنه 40 كيلو بعد ما كان وزنه 105 وقت اعتقاله، يعني وزنه الحالي 65 تقريبًا، الله يتلطف فيه ويهونها عليه". كما تركت اعتقالاته المتكررة أثرًا بالغًا في والديه، لا سيما أنه كان السند الأساسي والمسؤول عن رعايتهما.
محروم من استكمال الدكتوراه

وتزداد معاناة الأسرة مع مرض والدته التي تفتقده بشدة، إذ لا تنفك تلهج بالدعاء له ليلًا ونهارًا، راجية من الله أن يجمعها به قريبًا، حيث أصيبت بجلطة دماغية أفقدتها القدرة على الحركة، كما أُصيبت بمرض السرطان. وعلى الصعيد الشخصي، انعكست اعتقالاته المتكررة على مسيرته التعليمية؛ إذ إن أبو عصبة، وهو طالب دكتوراه في كلية الشريعة وأصول الفقه في جامعة النجاح الوطنية، كان قد أنهى جميع المواد المطلوبة وبدأ بإعداد رسالته للدكتوراه، غير أن الاعتقالات الإدارية المتكررة منذ عام 2021 وحتى اليوم شكّلت عائقًا أمام استكمال مناقشة رسالته.
كما سبق أن اعتقله الاحتلال من على مقاعد الدراسة الجامعية أثناء استكماله درجة البكالوريوس في الشريعة الإسلامية، وكان حينها في سنته الثانية عام 2003. في حين أعاد الاحتلال اعتقاله منتصف عام 2004 ضمن خلية خططت للرد على اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وأصدرت سلطات الاحتلال بحقه حكمًا لمدة ستة أعوام.
وأكرم الله الأسير أبو عصبة بحفظ القرآن الكريم وتدبر معانيه، محولًا المحنة إلى منحة، وحصل على الإجازة في الحفظ والقراءة والإقراء بالسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يحفظ أكثر من ألف حديث نبوي، ويتمتع بثقافة واسعة، ويُعد من خطباء الأسرى المفوّهين. وينحدر أبو عصبة من عائلة ذات تاريخ نضالي؛ فهو شقيق الشهيد بدران أبو عصبة الذي استشهد في انفجار داخلي أدى إلى انهيار منزله بالكامل، كما أن اثنين من أشقائه تعرضا للاعتقال لسنوات طويلة.

