مرَّ عيدٌ آخر على حربٍ باردة لا يُعرف متى تستقر، حربٌ تركت وراءها جبالًا دُكَّت وسماءً شُقَّت وقلوبًا احترقت وأعيادًا مضت مثقلةً بالحزن والوجع. ثلاثة أعوام مرّت بلا عيدٍ حقيقي حتى أصبح الأمر أشبه بحلمٍ ثقيل لا نستطيع الاستيقاظ منه. ليلٌ طويل يزداد قسوة ونهارٌ أطول يثقل الأرواح بالخوف والترقب. ثلاثة أعوام من القتل والقصف والدمار، مرّت خلالها الأعياد بين الحصار والجوع والعطش، حتى تحطمت الآمال وتبددت الأحلام.
ثلاثة أعوام لم تُقم فيها شعائر الله عز وجل كما ينبغي، وثلاثة أعوام فقدنا خلالها من الأحبة والأصدقاء ما يكفي لملء العمر حزنًا. بقعةٌ صغيرة تبكي بأنينٍ خافت، بينما تعج أرض الحرمين بالأفراح والاحتفالات. حتى أصبح المرء يتساءل: هل اقترب آخر الزمان؟
ما تعلمناه خلال هذه السنوات أن لا تستند إلى أحد وأن تكون سندًا لنفسك حتى يأتي أجلك. صواريخ تسقط من السماء، وحرارة هائلة تقترب لتحرق الجسد والأحلام معًا. لم أستطع رفع رأسي، وبعد لحظات لم أعد أعرف كيف أتحرك. أصبح المكان مظلمًا وكل جزء من جسدي مغطى بالدماء وحتى ملابسي التي كنت قد وضعتها بجانبي لأرتديها صباح يوم العيد تحولت إلى رمادٍ لا أثر له.
كان ظهور الفجر والاستيقاظ في ذلك اليوم مرتبطًا بأمنية واحدة؛ أن يكون كل ما حدث مجرد حلم. فجأةً سمعت صوت صراخٍ مرتفع، فاستيقظت مذعورًا. نظرت إلى يميني باحثًا عن ملابسي، ثم تساءلت: أين أنا؟ أين بيتنا؟ أين أخي؟ أين أبي وأمي؟ هل طلع الفجر لنضحي؟
إنها قصة صغيرة لطفلٍ كان يحلم بطلوع الفجر ليفرح بالعيد، لكن فرصته في الحياة لم تكتمل ونومه لم يكتمل وفرحته لم تكتمل. استيقظ يتيمًا في صباح العيد…طفلٌ فقد عائلته تحت القصف، بينما يواصل العالم حياته كأن شيئًا لم يكن. وفي الوقت الذي يذبح فيه الناس أضاحيهم كان الاحتلال يزهق أرواح البشر ويحوّل البيوت إلى ركام.
كان عيد الأضحى المبارك يأتي كل عام حاملًا معه معاني الفرح والتقرب إلى الله، يجتمع الأهل والأحبة وتُذبح الأضاحي، وتُوزع على المحتاجين والفقراء. لكنه في غزة جاء هذا العام مختلفًا تمامًا. غابت مظاهر الفرح التي اعتدنا عليها، وحلّ مكانها الحزن والمعاناة. وفي ظل الظروف التي يعيشها الناس اليوم، لم تتمكن كثير من العائلات من شراء الأضاحي أو توفير احتياجات العيد. وأصبح الهمّ الأساسي لدى الكثيرين هو تأمين الغذاء والماء والحد الأدنى من مقومات الحياة، بدلًا من الاستعداد للاحتفال بالعيد.
اقرأ أيضًا: عامان تحت الأنقاض: ندى بدوان حين يجرح الأمل صاحبه
وحُرم الأطفال من الملابس الجديدة والألعاب التي كانوا ينتظرونها عامًا بعد عام. ورغم أن أصوات التكبيرات ارتفعت في المساجد، فإنها امتزجت بالألم الذي يغشى القلوب. فقدت العائلات الكثير من أقاربها وأحبائها، وغابت اللقاءات العائلية التي كانت تمنح العيد دفئه وجماله. بدا العيد لنا كنسمة هواءٍ جميلة جاءت لتطفئ شيئًا من نيران القلوب، لكنها سرعان ما رحلت، تاركة خلفها شوقًا أكبر وحنينًا أشد إلى الأيام التي كانت فيها الشوارع تمتلئ بالفرح والزيارات والضحكات.
ومع ذلك لم يفقد أهل غزة الأمل، فهم معروفون بصبرهم وثباتهم في مواجهة المحن والشدائد. ما زالوا يتمسكون بقيم العيد ومعانيه الإنسانية والإيمانية، وما زالوا يؤمنون أن الفرج آتٍ مهما طال الانتظار، وأن الليل مهما امتد لا بد أن يعقبه فجر.
وفي النهاية يبقى الأمل حاضرًا في قلوبنا بأن تأتي أعيادٌ قادمة تحمل السلام والأمان والفرح، وأن تعود أصوات التكبيرات والاحتفالات لتملأ شوارعنا كما كانت من قبل، وأن يعيش الجميع عيدًا يملؤه السرور والطمأنينة، بعيدًا عن الخوف والفقد والدمار، وأن تشرق شمس الحرية على أرضٍ أنهكتها الحروب، لكنها لم تفقد إيمانها بالحياة.

