عامان في عُرف الزمن مرا ثقيلين، وهي تتشبث بالأمل، ترجو أن يكون ما قيل عنه مجرد خطأ، وأن يكون حيًا يُرزق في مكان ما، انتهت الحرب، وكانت تردد في نفسها: "لو كان حيًا فسيعود". عاد الغائبون واحدًا تلو الآخر، لكنه لم يعد، عندها بدأ الاحتمال الذي كانت تخشاه يترسخ في قلبها: ربما كان تحت ركام البيت الذي قُصف، كما كانت تشعر منذ البداية.
طوال تلك الفترة التزمت الصمت، خوفًا عليه، كانت تسمع الشائعات والأخبار المتضاربة، ثم تدعو: "يا رب، يكون بخير". لم يكن أمامها خيارًا سوى أن يرفعوا ركام البيت ليبحثوا عنه، وهناك كانت الفاجعة، وجدت حبيبها ورفيق دربها وقد بقي لعامين كاملين تحت الأنقاض، دون أن يُكرم حتى بدفن يليق به.
وقفت أمام كفنه ترتجف. كان قلبها يبكي كما تبكي عيناها، وتشعر أنها على حافة الجنون. كيف أمضى حبيبها عامين تحت الركام؟ هاجمتها الأسئلة: هل أُصيب أولًا أم استشهد على الفور؟ ماذا دار في خاطره في لحظاته الأخيرة؟ ماذا تمنى قبل أن يرحل؟
هنا تروي ندى بدوان، زوجة الشهيد يحيى الديرواي، حكاية الوداع الأخير الذي جاء بعد عامين من الانتظار الثقيل، تروي عن ليال طويلة أرهقها فيها التفكير بمصيره، وعن أسئلة لم تجد لها إجابات، عن أمل ظل حيًا في قلبها رغم كل شيء، وطفلهما الذي كان عمره 40 يومًا حينما رآه أبيه لآخر مرة، عن طفل لم يتجاوز الرابعة من عمره، يثقل قلبه الفقد بأسئلة لا تنتهي، كان أصعبها: "بنفع نروح الجنة عند بابا؟"
حين دق الفقد باب القلب

في 12 ديسمبر 2023، سمعت ندى دوي انفجار قوي كان في بيتها، بعدما أرسل لها يحيى مع شقيقه بعض الأغراض منه، ورسالة أخيرة، كان القصف لمنزلهم بينما اشتد المطر الغزير، لم تكن متيقنة أن كان يحيى في البيت المقصوف أم لا، لكن حدسها أخبرها أنه أصابه شيء ما.
تقول لبنفسج بعد صمت لثوان: "منذ تلك اللحظة بدأت رحلة طويلة من الأخبار المتضاربة والشائعات الكاذبة، مرة يؤكدون أنه خرج سالمًا، وأخرى ينقلون على لسانه أنه يريد منا أن نلزم الصمت حتى لا يناله الأذى، لم أنم ليلتها ولم يعرف قلبي منذ ذلك الحين طمأنينة قط، وبقيت معلقة بين الخوف والرجاء".
تضيف: "آثرت السكوت رغم كل ما كان يعتمل في صدري، وخشيت أن أضرّه بكثرة السؤال كما طلبوا، لكن انقطاعه الغريب زاد فيّ الشكوك، كيف ليحيى الذي يشاركني كل كبيرة وصغيرة أن ينقطع عني كل هذا الوقت، كان شيء ما في داخلي يخبرني أن الحكاية ليست كما يروون، وأن غيابه لم يكن غياب رجل اختار الصمت، بل غياب رجل لم يستطع أن يعود".
اقرأ أيضًا: صهيب الحاطوم: المنشد المقاتل بين الشهداء
انتهت الحرب وعاد الغائبون إلا يحيى، ومن هنا اتخذنا قرار إزالة أنقاض البيت لنبحث عنه، في 13 ديسمبر 2025 ظهرت آثار يحيى تحت البيت المقصوف منذ عامين، استشهد في الانفجار العنيف الذي سمعته ندى، كان حدسها صحيحًا، ورحل يحيى عن عمر يناهر 27 عامًا.
طلبت من العائلة أن يُحضروا جثمانه إلى بيت أهلها، فاستجابوا لطلبها، ثم طلبت منهم أن يتركوها معه وحدها، فرفضوا في البداية خوفًا عليها وعلى قلبها المثقل بالفقد، لكنها أصرت حتى وافقوا. بقيت معه لخمس دقائق فقط، لكنها كانت تتمنى لو أن الزمن توقف عند تلك اللحظة. كان مرتديًا ثيابًا كانت قد أهدته إياها خلال فترة خطوبتهما. تردف: "تحدثت إليه، وعاتبته على هذا الغياب الطويل، وطلبت منه أن يسامحني لأنني غبت عنه، ولأنني تأخرت في البحث عنه تحت الركام".
ما قبل الشهادة

عندما اندلعت الحرب لم يكن قد مضى على ولادة طفل ندى ويحيى البكر سوى أربعين يومًا، تقول: "في أول أيام الحرب جاءت إشارة إخلاء لبيت يجاورنا، فتضرر بيتنا على أثر الاستهداف بشكل كبير، فطلب مني أن أذهب مع صغيرنا إلى بيت أهلي على أن يلحق بنا بعدما يُنهي بعض الامور، لكن اشتدت الحرب ونزحنا إلى مكانٍ آخر، ولم نتمكن من الاجتماع به بشكل مستمر، لكن رسائله لم تنقطع عني، وكان يزورنا بكل فرصة يجدها مناسبة".
تكمل بصوت متحشرج: " آخر مرة جاء فيها لرؤيتنا، لم أستطع الخروج للقائه لكن والديّ أخذا إليه طفلنا ليراه، أخبراني أنه لم يتركه لحظة واحدة، ظل ملازمًا لحضنه، يشمّ رائحته، وكأنه كان يسرق من الوقت ما يكفيه لوداع أخير".
اقرأ أيضًا: الطبيبة المغربية زينب المزابري: تشهد ولادة الحياة تحت الجحيم في غزة
رحل يحيى الذي طلب الشهادة في سبيل الله مرارًا وكان يدعو الله أن يرزقه شهادة في سبيله، كان يظل يقول لندى: "يارب أموت قطع في سبيل الله". فاندهشت من هذه الأمنية، لكنه كان يرد مبتسمًا بصوت هادىء: "هو في أحلى أن كل قطعة من جسدي تشفعلي عند الله".
كان يشعر أنه عمره قصير ويخبر ندى بذلك، ويوصيها أن تزور قبره وترويه بالماء دائمًا، فكانت ترد ممازحة: "مش رح تكون حاسس فيا أصلًا". في أول زيارة بعدما كُرم جثمانه بالدفن تذكرت ندى تلك المواقف وبكت، تحدثت معه فشعرت به يسمعها، حكت كل ما يجول بخاطرها، وغادرت، ولم تخبر أحدًا أنها تحدثت معه وكأنه حي يرزق أمامها، حتى جاء لشخص مقرب منهم في المنام يخبره أنه حزين على حالتها، فعرفت أن الشهداء يشعرون بنا.
جواد: "بنفع نجيب باب من الجنة"

كان لزامًا على ندى أن تبقى واقفة لأجل صغيرها جواد، الذي كبر في غياب والده الذي لم يره إلا 40 يومًا فقط، تقول: "جواد طفل ذكي ويسبق سنه بشكل ملحوظ، كنت أقول للصغير أن والده سيعود، نشاهد الفيديوهات الخاصة به وصوره معًا، واعتاد ألا ينام إلا بعد أن يشاهد صوره، كنت أشتري له الحلوى وأقول له من بابا، لكن حينما قُضي الأمر وعرفت أنه شهيدًا، غيرت التعامل تدريجيًا لأمهد له أنه لن يرى والده، وحينما قلت له ذهب للجنة، قال: "عادي نروح بنجيبه من الجنة وبنروح".
كبر جواد وصار كثير الأسئلة، تضيف: "بليلة حكالي إنه خايف على أبوه من الجنة رغم إني كنت حاكياله إنه الجنة حلوة ووصفت بمفردات تناسب عمره جمال الجنة وحاولت أطمنه عليه، لكن يعيد نفس الأسئلة كل ليلة".
اقرأ أيضًا: خالد أبو عودة: رجل الميدان الذي لقى ربه محاصرًا جائعًا
تُسمي ندى طفلها جواد ب "العزيز"، كونه جاء بعد عامين من الشوق، كان يوم والدته الأجمل على الإطلاق لنا، تعلق به يحيى جدًا، اليوم يبلغ جواد عامين ونصف، محروم من والده، سأل والدته في مرة: "ماما الشهيد بيروح ع الجنة عطول ولا بياخدوه على المستشفى". فتصمت، لكنه سيكبر ويعلم أن والده ظل لعامين تحت أنقاض المنزل.
تخبرنا ندى أن يحيى كان المدير التنفيذي لمركز دليل الأحرار للدراسات والأبحاث، وهو مركز كان يُعنى بنقل كتب الأسرى وكتاباتهم ومساعدتهم على تنقيحها والتعديل عليها ونشرها على هيئة كتب فيما بعد. وأول من فكّر بإنشاء أرشيف كامل للأسرى يحفظ فيه كل تاريخهم ومحطاتهم المهمة ومؤلفاتهم والتواريخ الفصلية بحياتهم، لكنه رحل قبل أن ينهي المهمة.
تختم حديثها: "في يناير 2023، كانت بداية لكل ما هو جميل بحياتنا، في الرابع من يناير عرفنا بحملي، وفي ذات اليوم صدر الترخيص للمركز، لم نكن نعلم أن نهاية العام ستكون فقداني ليحيى، لكن كان وجود جواد طبطبة من الله لقلبي المكلوم".

