بنفسج

حين يصبح التعليم مقاومة.. مدارس تُولد من رحم الحرب

الخميس 28 مايو

التعليم في غزة
التعليم في غزة

في الحروب تتغيّر ملامح الحياة؛ تُهدم البيوت، وتُغلق الطرق، وتُطفأ أنوار المدن، وتتعثر الأحلام تحت ثقل الخوف والانتظار. تصبح الأشياء التي كانت يومًا جزءًا من تفاصيلنا اليومية البسيطة أمنيات بعيدة المنال. وبينما تتوقف الكثير من مظاهر الحياة، يبقىٰ هناك شيء واحد يرفض الاستسلام: التعليم.

فالتعليم لم يكن يومًا مجرد كتب وصفوف ومقاعد دراسية، بل كان دائمًا نافذة يطل منها الإنسان علىٰ مستقبله، وجسرًا يعبر به نحو حياة أفضل. وحين تحاول الحروب انتزاع هذا الحق، يصبح التمسك به شكلًا من أشكال المقاومة؛ ليس مقاومة بالسلاح، بل مقاومة للجهل والخوف واليأس.

وفي غزة، حيث أصبحت الحرب واقعًا يوميًا يفرض نفسه علىٰ تفاصيل الحياة، وحيث عاش الناس النزوح والتهجير وفقدان الاستقرار، لم يسلم الأطفال من آثار هذا الواقع. فقد وجد آلاف الطلبة أنفسهم فجأة بعيدين عن مدارسهم، وعن حقائبهم ودفاترهم ومقاعدهم التي اعتادوا الجلوس عليها كل صباح.

تغيّرت حياتهم بسرعة لم تمنحهم فرصة للاستعداد لها، وتحولت أيامهم إلىٰ حالة من الانتظار والخوف وعدم اليقين. لكن وسط هذا المشهد المليء بالدمار والألم، ظهرت نماذج مشرّفة اختارت أن تبدأ من حيث توقفت الحياة. نماذج لم تنتظر نهاية الحرب، ولم تنتظر اكتمال الإمكانيات، بل قررت أن تزرع الأمل وسط الركام.

ومن بين هذه النماذج تبرز مدرسة فلسطين الحبيبة 🇵🇸، التي تحولّت من مجرّد فكرة إلىٰ تجربة إنسانية وتعليمية تحمل في كل تفصيل من تفاصيلها معنىٰ الصمود الحقيقي. ففي شهر يوليو/تموز من عام 2024، وعلىٰ يد الدكتور حسن حلس، بدأت ملامح هذه التجربة تتشكل، ليس كمشروع تعليمي فحسب، بل كمبادرة إنسانية تحمل إيمانًا عميقًا بأن الحرب لا ينبغي أن تكون سببًا في انقطاع الأطفال عن حقهم في التعليم.

فقد جاءت فكرة إنشاء المدرسة انطلاقًا من السعي لإنقاذ جيلٍ كامل، وتربيته علىٰ نهج رسول الله ﷺ، خوفًا من ضياعه، وحرصًا علىٰ استكمال مسيرته التعليمية. ولم يكن الهدف مجرّد إنشاء مكانٍ للدراسة فحسب، بل إيجاد مساحة تُعيد للأطفال شيئًا من الحياة التي فقدوها، وتمنحهم الأمل والاستقرار وفرصةً لبناء مستقبلهم من جديد.

لم يكن الذهاب إلىٰ المدرسة رحلة عادية كما كان في السابق، بل كان قرارًا يرافقه القلق والترقب والخوف. كان الجميع يدرك أن الظروف المحيطة خطيرة، لكنهم كانوا يدركون أيضًا أن فقدان التعليم قد يكون خسارة لا تقل ألمًا.

لكن البداية لم تكن سهلة أبدًا؛ فقد كان أول تحدٍّ يواجه المدرسة هو إيجاد مكان يستطيع استقبال الطلبة وتوفير الحد الأدنىٰ من الأمان في ظل واقع لا يعرف الاستقرار. وكان الخطر حاضرًا في كل لحظة؛ فأصوات القصف لم تكن بعيدة عن الطلبة والمعلمين، بل أصبحت جزءًا من يومهم المعتاد. لم يكن الذهاب إلىٰ المدرسة رحلة عادية كما كان في السابق، بل كان قرارًا يرافقه القلق والترقب والخوف. كان الجميع يدرك أن الظروف المحيطة خطيرة، لكنهم كانوا يدركون أيضًا أن فقدان التعليم قد يكون خسارة لا تقل ألمًا.

ولم يكن الخطر وحده التحدي الأكبر؛ فهناك نقص كبير في القرطاسية والوسائل التعليمية والمقاعد والاحتياجات الأساسية التي تحتاجها أي مدرسة. كانت أشياء بسيطة كدفتر أو قلم أو كتاب تمثّل أحيانًا تحديًا حقيقيًا. ورغم ذلك، لم تستسلم المدرسة لهذا الواقع، بل حاولت توفير كل ما يمكن توفيره للطلبة؛ لأن القائمين عليها كانوا يؤمنون بأن أبسط الأشياء قد تصنع فرقًا كبيرًا في حياة طفل حُرم الكثير.

لكن أكثر ما كان مفاجئًا هو الإقبال الكبير علىٰ المدرسة منذ انطلاقها. فعلىٰ عكس كل التوقعات التي رجحت أن يمنع الخوف الطلبة من الحضور، استقبلت المدرسة في بداياتها ما يقارب 3300 طالب وطالبة، وهو رقم يعكس مدىٰ تمسّك الأطفال والأهالي بالتعليم رغم كل الظروف.

واليوم لا تزال المدرسة تحتضن ما يقارب 3300 طالب وطالبة، بينما ينتظر نحو 3000 طالبٍ آخر فرصة للالتحاق بها، في مشهد يكشفُ حجم الحاجة الكبيرة للتعليم والرغبة الحقيقية في العودة إلىٰ مقاعد الدراسة. وعلىٰ الرغم من أنها تُعد من أكبر المدارس التي أُنشئت في جنوب القطاع خلال الحرب، فإن الإمكانيات المحدودة ما زالت تحول دون استيعاب جميع الطلبة.


اقرأ أيضًا: صناعة الذاكرة: لماذا علينا أن لا ننسى الإبادة؟


ومنذ البداية، حرصت المدرسة علىٰ اختيار طاقم تعليمي يمتلك خبرات سابقة في مجال التعليم؛ لأن الطالب في هذه الظروف لا يحتاج إلىٰ من يشرح له الدروس فقط، بل إلى من يفهم مشاعره ويحتويه. وكان المعلمون بالفعل أكثر من مجرّد معلمين؛ كانوا مصدرًا للأمان والدعم النفسي. كانوا يخفون قلقهم خلف ابتساماتهم، ويحاولون أن يزرعوا الطمأنينة في قلوب الأطفال، لأنهم كانوا يدركون أن الطفل لا يحمل حقيبته المدرسية فقط، بل يحمل معه خوفه وأسئلته وقلقه أيضًا.

ومع مرور الوقت، بدأت المدرسة تترك أثرًا واضحًا في نفوس الطلبة. فالطفل الذي يعيش داخل خيمة، ويستيقظ يوميًا علىٰ ظروف صعبة، ثم ينتقل صباحًا إلىٰ مكانٍ يستقبله بالترحيب والاهتمام، ويجد فيه أصدقاء ومعلمين ودفاتر وأقلامًا ووجوهًا اعتاد رؤيتها، يبدأ تدريجيًا باستعادة جزء من حياته الطبيعية، وبذلك أصبح للمدرسة معنىٰ مختلفًا بالنسبة للأطفال، فهي لم تكن مجرّد مكان للدراسة فحسب، بل أصبحت مكانًا للفرح أيضًا.

فكثير من الطلبة أصبحوا يحتفلون بأعياد ميلادهم داخل الصفوف، وبعضهم يعبّر عن حبه لمعلميه بطرق بسيطة وعفوية، بينما أصبح آخرون ينتظرون الإذاعة المدرسية الصباحية ليشاركوا فيها بموهبة أو كلمة أو قصيدة. كما حرصت المدرسة علىٰ احتضان مواهب الطلبة وإبرازها من خلال الأنشطة والمسابقات والإذاعات المدرسية، لأن الطفل لا يحتاج إلىٰ التعليم وحده، بل يحتاج أيضًا إلىٰ من يرىٰ موهبته ويؤمن بها.

إنّ تجربة مدارس غزّة ليست مجرّد قصة نجاح تعليمية، بل رسالة إنسانيّة كاملة تؤكد أنّ التعليم ليس رفاهية يمكن تأجيلها، بل حق وحياة ومستقبل. وفي النهاية، حين يفتح طفل كتابه وسط أصوات القصف، وحين يقف معلم أمام طلابه رغم كل الظروف، وحين تستمر مدرسة في أداء رسالتها رغم كل التحديات، ندرك أنّ هناك أشياء لا تستطيع الحروب هزيمتها.

حتىٰ الطابور الصباحي، الذي قد يبدو تفصيلًا عاديًا في الأيام الطبيعية، أصبح يحمل معنىٰ مختلفًا. فاجتماع مئات الطلبة صباحًا، وترديد الكلمات والأناشيد، كان يمنح شعورًا بأن الحياة ما زالت قادرة علىٰ الاستمرار رغم كل شيء. ولم يقتصر أثر المدرسة علىٰ الطلبة فقط، بل امتد إلىٰ الأهالي أيضًا، الذين وجدوا فيها طمأنينة لأبنائهم، وأملًا صغيرًا وسط واقع مليء بالقلق.

وربما كانت أكثر اللحظات التي يشعر فيها القائمون علىٰ المدرسة بالفخر هي لحظات تخرّج الطلبة. فقد أقامت المدرسة حفلين للتخرّج، وتحولت تلك اللحظات إلى مشهد لا يُنسىٰ؛ امتلأت الوجوه بالفرح، وارتفعت الضحكات، واختلطت دموع الأهالي بمشاعر الاعتزاز. لم تكن تلك الحفلات مجرّد احتفال بنهاية مرحلة دراسية، بل كانت إعلانًا صغيرًا لانتصار كبير؛ انتصار الأطفال علىٰ الخوف، وانتصار الأمل علىٰ الظروف.

إنّ تجربة مدارس غزّة ليست مجرّد قصة نجاح تعليمية، بل رسالة إنسانيّة كاملة تؤكد أنّ التعليم ليس رفاهية يمكن تأجيلها، بل حق وحياة ومستقبل. وفي النهاية، حين يفتح طفل كتابه وسط أصوات القصف، وحين يقف معلم أمام طلابه رغم كل الظروف، وحين تستمر مدرسة في أداء رسالتها رغم كل التحديات، ندرك أنّ هناك أشياء لا تستطيع الحروب هزيمتها. هنا لا يصبح التعليم مجرد واجب يومي.. بل يصبح مقاومة، وأملًا، وانتصارًا يُولد كل صباح.