بنفسج

عشية زواجه... زفوه ببدلته شهيدًا للعلا

الأحد 07 يونيو

قصص الشهداء من غزة
قصص الشهداء من غزة

"زوجتي الغالية أنتِ سكينة القلب وجمال الروح، ووجودكِ جعل من هذا المكان بيتًا، والحياة أجمل مما تمنيت، خطيبك مهند"… كتب العريس هذه الجملة على باب قصرهما الضخم الفاره على عتبة عيشهما الرغيد حيث اجتمع مهند وأسماء في حياةً طويلة وسعيدة… هكذا تبدو الحكاية لأول وهلة، بيت واسع يطل على البحر، أطفال يملؤون المكان ضحكًا، وشجرة زيتون زرعها مهند بيديه في حديقة المنزل يوم ولادة طفله الأول.

كانت أسماء تعدّ القهوة كل صباح، وكان مهند يخرج إلى عمله ويعود مع الغروب ليجلسا معًا يتحدثان عن السنوات التي مرت سريعًا وعن ليلة زفافهما التي كانت بداية كل هذا الجمال. كبر الأبناء وامتلأت الجدران بالصور والذكريات وصار البيت شاهدًا على عمر كامل من الحب والدفء. لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث… اختفت الشجرة أولًا، ثم تلاشت الحديقة، ثم اختفى البيت نفسه، وبدأت الصور تتساقط من الجدران واحدة تلو الأخرى، واختفى ضحك الأطفال، حتى لم يبقَ من المشهد كله سوى قطعة قماش مهترئة تتمايل تحت الريح.

 لم يكونا يحلمان بقصور ولا بثروات، بل بحياة بسيطة وآمنة لكن حتى هذا الحلم بدا كثيرًا على غزة. في الليلة التي سبقت الزفاف، كان كل شيء جاهزًا، الخيمة مسكنهما، والضيوف والفرح المؤجل منذ شهور طويلة من الحرب والنزوح. كان الغد قريبًا إلى درجة أن مهند كاد يلمسه بيديه لكن الموت كان أقرب. جاءت الغارة قبل أن تأتي الزغاريد، ووصل الصاروخ قبل أن يصل العريس إلى يومه المنتظر.

عندها فقط تنكشف الحقيقة، لم يكن هناك بيت أصلًا ولا أطفال، ولا سنوات طويلة من السعادة. كان كل ذلك الحياة التي كان يستحقها مهند وأسماء، لا الحياة التي عاشاها. فهما شابان من غزة، نازحان في خيمة وسط حرب الإبادة، يحاولان انتزاع لحظة فرح من قلب الخراب… كانا يحلمان ببيت صغير فقط بغرفة تجمعهما، وبأيام عادية تشبه حياة البشر في أي مكان من العالم. جهز مهند خيمة الفرح بيديه ورتب المقاعد واستقبل التهاني واشترى بدلته التي انتظر طويلًا ليرتديها، بينما كانت أسماء تعد الأيام والساعات المتبقية لتصبح زوجته.

 لم يكونا يحلمان بقصور ولا بثروات، بل بحياة بسيطة وآمنة لكن حتى هذا الحلم بدا كثيرًا على غزة. في الليلة التي سبقت الزفاف، كان كل شيء جاهزًا، الخيمة مسكنهما، والضيوف والفرح المؤجل منذ شهور طويلة من الحرب والنزوح. كان الغد قريبًا إلى درجة أن مهند كاد يلمسه بيديه لكن الموت كان أقرب. جاءت الغارة قبل أن تأتي الزغاريد، ووصل الصاروخ قبل أن يصل العريس إلى يومه المنتظر.

وفي لحظة واحدة تحولت كل الأحلام إلى غبار وسقط المستقبل كله فوق رأس صاحبه. لم يتزوج مهند ولم يبنِ البيت الذي تخيله ولم ينجب الأطفال الذين حلم بأسمائهم ولم يعش السنوات التي افتتحت بها هذه الحكاية. بقيت أسماء تواجه الحقيقة وحدها، وبقيت خيمة الفرح شاهدة على أن الحياة في غزة قد تتوقف بين مساء وصباح.

أما مهند، فقد رحل تاركًا خلفه كل شيء كما هو المقاعد في أماكنها والفرح معلقًا في الهواء وبدلته الجديدة تنتظره. بقيت البدلة معلقة بصمت لكنها لم تعد بيضاء كما كانت بل صارت مضرجة بدمائه، تتأرجح مع الريح داخل الخيمة كأنها آخر شاهد على عريسٍ استشهد ليلة عرسه وصوته أمه يقول "عريس في الجنة يما… بتلبسها في الجنة يما"…