بنفسج

لبّوا حجاجًا إلى بيت الله.. ثم قضوا شهداء إلى السماء

الخميس 28 مايو

قصص من غزة
قصص من غزة

على ذلك الحائط الذي ظل قائمًا بعد استهداف المنزل بثلاثة صواريخ، كُتب قبل ثلاثة أعوام: “أهلًا وسهلًا بحجاج بيت الله الحرام الحاج أحمد عمر الحتة”. في يوليو/ تموز 2023، وقبل ثلاثة أشهر من بدء حرب الإبادة الجماعية، كان موسم الحج آنذاك هو آخر موسم تتزين فيه غزة لاستقبال حجاج بيت الله الحرام، سعادةٌ عارمةٌ تملأ أنحاء المدينة كأنَّ عيدًا آخر حلَّ علينا بعد عيد؛ فالحج بالنسبة للغزي هو ثمرةٌ يسقيها بصبره ليحصل عليها بعد سنوات من الادخار والانتظار، يدفع لأجله “تحويشة العمر”، ليؤمّن تكاليف الرحلة، ثم ينتظر أعوامًا حتى يحين دوره في قرعة الحجاج.

وفي حينها كان منزل عائلتي في مدينة غزة أحد المنازل التي امتلأت بمظاهر الفرح، حيث علت أصوات التكبيرات وأناشيد المديح النبوي، وعُلقت أحبال الزينة واللافتات الورقية التي كُتبت عليها عبارات التهنئة على الجدران، ووُزعت أطباق الحلوى بجميع أنواعها على الأقارب والجيران الذين توافدوا للتهنئة؛ ابتهاجًا بعودة خالي الشهيد أحمد عمر الحتة من أداء فريضة الحج لعام 2023، ليكون ذلك الاحتفال هو آخر مناسبة سعيدة يجتمع فيها البيت كاملًا.

كانت حصتي من الهدايا آنذاك عبارة عن “ميدالية”، وهي قطعة معدنية صغيرة كُتب عليها اسمي من جهة، ومن الجهة الأخرى صورة الكعبة المشرفة، وملابس صلاة وسجادة صلاة وزجاجة عطر. وحينما بدأت الحرب وأُجبرنا على النزوح ومغادرة منزلنا تحت نار القصف، كانت حقيبة النزوح التي حملتها على ظهري مرارًا وتكرارًا هي كل ذكرياتي وكل ما تبقى لي من البيت.

عاد خالي من بيت الله حاملًا لنا ماء زمزم وهدايا تذكارية بسيطة تحمل شيئًا من روح المكان الذي نحلم جميعًا بزيارته، أتذكر جيدًا كيف حدثنا عن تفاصيل رحلة العمر وعن سعادته بأداء هذه الفريضة لأول مرة رغم كامل المشقة، استمعنا له بلهفة ثم التقطنا صورًا تذكارية، فيما أخذ يوزع الهدايا على كل من جاء للتهنئة، بابتسامة لم تفارق وجنتيه، وسكينة لم تغادره حتى لحظة استشهاده.

كانت حصتي من الهدايا آنذاك عبارة عن “ميدالية”، وهي قطعة معدنية صغيرة كُتب عليها اسمي من جهة، ومن الجهة الأخرى صورة الكعبة المشرفة، وملابس صلاة وسجادة صلاة وزجاجة عطر. وحينما بدأت الحرب وأُجبرنا على النزوح ومغادرة منزلنا تحت نار القصف، كانت حقيبة النزوح التي حملتها على ظهري مرارًا وتكرارًا هي كل ذكرياتي وكل ما تبقى لي من البيت.

كنت حريصة، بدافع الخوف من الفقد المفاجئ، على أن أضع تذكاراً من كل فرد من أفراد عائلتي وأصدقائي، فوضعت فيها تلك الميدالية، وملابس الصلاة وسجادة الصلاة، وأشياء أخرى أهداني إياها خالي في مناسبات كثيرة، “وأنا بطبعي أحب الاحتفاظ بأبسط التفاصيل”، حتى تلك العلبة الكرتونية الصغيرة التي وضعنا فيها الحلوى ابتهاجاً بعودته من الحج، احتفظت بها كشاهد على طعم الفرح الذي كان.

مرت علينا حرب الإبادة وقد عشنا فصولها المُرّة مرة بعد مرة، في شمال قطاع غزة، حيث النزوح والحصار والجوع وشح مقومات الحياة، وحيث المعاناة التي فرضها الاحتلال على كل من ثبت وآثر البقاء فيما تبقى من المدينة. وبعد أشهر طويلة من المعاناة، وبينما كنا نحاول الحصول على بضع أيام هادئة، والتشبث بما تبقى من تفاصيل حُرمنا منها، كانت يد الغدر أسرع.

وفي فجر الثامن عشر من مارس/ آذار 2025، عند الساعة الثانية وعشر دقائق، شن الاحتلال موجة شرسة من الغارات الجوية، معلناً استئناف العدوان على القطاع، استُهدف خلالها منزلنا بثلاثة صواريخ غادرة، ليستشهد: خالي أحمد الحتة، وكيل وزارة العدل، وجميع أفراد أسرته: زوجته فاطمة عليان، وأبناؤه الستة: يسرى وعمر وهدى وهاجر وبنان وجنان، فيما نجوت أنا وباقي أفراد عائلتي.


اقرأ أيضًا: حكايتي كما لم تُروَ من قبل.. بين الصبر واليقين


لم يكن خالي وحده من ودَّع مكة ثم ودَّع الدنيا بعد أشهرٍ قليلة، فكثير من حجاج الفوج الأخير قبل الحرب عادوا إلى غزة، ليجدوا أنفسهم لاحقًا في قلب واحدة من أكثر الحروب قسوة؛ بعضهم ارتقى شهيدًا، وبعضهم أُصيب، فيما كُتب لمن تبقى أن يظل شاهدًا على المأساة.

للعام الثالث على التوالي، تُحرم غزة من نصيبها في رحلات الحج، وتغيب مظاهر الفرح التي اعتادها الغزيون كل عام، حيث حُرم أكثر من عشرة آلاف غزي من الوصول إلى بيت الله الحرام، بفعل حرب الإبادة وإغلاق المعابر. وبين هؤلاء من انتقل إلى رحمة الله وهو ينتظر رحلة العمر، ومنهم من أُصيب، ومن اضطُر إلى إنفاق مدخرات الحج على تكاليف النزوح الباهظة ومتطلبات النجاة اليومية.

ورغم الحرمان جغرافيًا، لم يتوقف أهل غزة عن تلبية نداء الصبر والرباط، وسعوا إلى الله بدمائهم، وقدموا أغلى ما يملكون في سبيله، وإن أُغلقت أمامهم أبواب السفر إلى بيت الله، فقد فُتحت لهم أبواب أخرى من الأجر والكرامة، ومضوا إليها مؤمنين محتسبين، بأن الله لا يضيع أجر الساعين إليه، وأن ما حُرموا منه من شعائر سيبدلهم الله خيراً منها. لبيك اللهم تقبل من أهل غزة صبرهم ورباطهم، وارحم شهداءهم، واكتب لهم سعيًا مشكورًا وأجرًا موفورًا.