بنفسج

"بأي ذنب هُدمت؟".. تساؤلات المدينة المنكوبة

الخميس 28 مايو

كتاب بأي ذنب هدمت؟
كتاب بأي ذنب هدمت؟

“بأيِّ ذنبٍ هُدمت؟”, سبعون سؤالًا حملها الكتاب بين دفتيه، أجابت عنها بقلب أنهكه الفقد، لكنه بقي مؤمنًا صابرًا، راضيًا بقضاء الله وقدره. بين سطور الكتاب القصة كاملة، حكاية سيدة نجت وحدها من تحت الأنقاض بعدما كانت تُنازع روحها، لكن الله مدّ في عمرها لتُوثق القصة. فقدت والدتها وزوجها وابنها، وزوجته الحامل بتوأم، وحفيدتها، كما فقدت أشقاءها وعائلاتهم. خرجت من بين الركام تحمل جروحًا في جسدها وحروقًا في وجهها، وقلبًا منكسرًا من ألم الفقد.

وحين بدأت تستوعب حجم الفاجعة وما الذي جرى، وما إن ساعدتها صحتها على أن تمسك قلمًا وورقة، حتى طلبتهما كي لا تنسى توثيق الجريمة التي ارتُكبت بحق عائلتها. كتبت الحكاية بقلب ناجية جسدًا، لكن روحها بقيت تحت الأنقاض حيث الأحبة.

لم تكن الكتابة بالنسبة لها مجرد فعل، بل محاولة للنجاة، ووسيلة لتخفيف وطأة الألم عن نفسها، ورسالة تُواجه بها العالم: بأيِّ ذنب يُولد طفل تحت الركام؟ وبأيِّ ذنب تُقتل الأمهات وتُهدم البيوت؟ وبأيِّ ذنبٍ تُساوى الضحية بالجاني؟

هنا نحكي مع الكاتبة والمختصة الاجتماعية، والناجية الوحيدة من عائلتها الصغيرة، هنادي سكيك، حول كيف تحولت الكتابة إلى متنفس لها وسط كل هذا الألم؟ ومتى بدأت كتابة “بأيِّ ذنبٍ هُدمت؟”، وكيف استجمعت قواها لتدوين الحكاية؟ وعن توثيقها لشهادات حيّة لأشخاص عايشوا الحدث معها، وعن دعم كتابها بالأرقام والإحصاءات التي وثّقت حجم الدمار، وأعداد الجرحى والشهداء، ليكون شهادة إنسانية ومرجعًا يوثق ما جرى.

بأيِّ ذنبٍ هُدمت؟

IMG-20260601-WA0092.jpg

بعد المجزرة التي خرجت منها من تحت الركام على قيد الحياة، وبعد محطات نزوح عديدة بين بيوت المعارف، شعرت بأنها بحاجة إلى الكتابة. لم يكن هناك آنذاك رفاهية شراء الأقلام والورق، فاستعانت بما كانت تجده في البيوت من أقلام، وأوراق مطبوع على أحد وجهيها فيما الجهة الأخرى فارغة، ودفاتر كُتب على أجزاءٍ منها.

ومن تلك اللحظة، خطّت أول سطور كتاب “بأيِّ ذنبٍ هُدمت؟”. تقول لـ "بنفسج": “كنت وقتها منهكة جدًا، شعرت بأنني بحاجة للكتابة خصوصًا عندما شعرت أنني على وشك النسيان، لكن حكايتي كانت يجب أن توثق ليقرأها العالم أجمع، ليعرفوا كيف يكون الفقد في غزة دفعة واحدة. كان ألم الإصابة يمنعني، لكني لم أستسلم وبدأت أخطّ “بأيِّ ذنبٍ هُدمت؟”، أكتب في كل وقتٍ وحين، واستخدمت أسلوب السرد القصصي المدعّم بالإحصاءات والأرقام”.


اقرأ أيضًا: أميرة العربي: هل تنجو من فقدت زوجها وأولادها الثلاثة؟


تضيف: “استعنت بأشخاص عايشوا تلك المرحلة لأوثق شهاداتهم في الكتاب، وثّقت ألمي وحكايتي بشكلٍ يدوي، وكان كل تاريخ أكتبه في الكتاب هو بمثابة ضربة في عمق القلب لي، إذ توجد تواريخ كانت شهادة على تجمعاتنا العائلية وفرحنا، فمثلًا تاريخ 7 أكتوبر كان ذكرى ميلاد ابني، و20 أكتوبر ذكرى زواجي، و14 نوفمبر يوم ميلاد زوجي، لكن تلك التواريخ تغيّر حالها من الفرح لذكرى أليمة شاهدة على المجزرة”.

لم تتوقف هنادي عند حدّ الكتابة فقط، بل بعدما تحسنت حالتها الصحية، كرّست جزءًا من وقتها لدعم النساء نفسيًا داخل مراكز الإيواء، فكانت تعقد جلسات دعمٍ نفسي بشكلٍ مستمر، محاولة أن تُخفف شيئًا من وطأة الألم الذي خلّفته الحرب في قلوبهن. كان الجرح جماعيًا، والفقد حاضرًا في وجوه النساء اللواتي التقت بهن، لذلك أرادت أن تكون سندًا لهن، وأن تُربّت على قلوب الفاقدات وهي واحدة منهن، تعرف جيدًا معنى أن ينجو الجسد بينما تبقى الروح مثقلة بالخسارة.

عودة إلى تاريخ المجزرة

IMG-20260601-WA0088.jpg

في 13 نوفمبر 2023، وبينما لجأت هنادي وعائلتها الصغيرة إلى بيت عائلتها بعد قصف منزلها في اليوم الثاني للحرب، كانت جالسة تُلقي على مسامع زوجها سورة الشورى التي كانت تحفظها، وعندما وصلت لآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ غابت عن الوعي تمامًا، لتشعر أنها في حلم، إلى أن أُنقذت بأعجوبة بعد ساعات من تحت الأنقاض، بينما بقيت عائلتها تحت الركام.

تقول: “كنت في المشفى غير مدركة لما حصل، فسألت: ما الذي جرى؟ فهمس في أذني أحد أقاربي: استشهدت لكِ والدتك وزوجك وابنك وزوجته وحفيدتك. رفعت إصبع السبابة ونطقت: “إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها”.

تكمل: “وبعدها أُجبرت على مغادرة المشفى مع طفلة أخي الناجية، والتي كانت تبلغ عامين، فلم أكن قادرة على حملها ولا المشي وأنا مصابة بعيني ولا أرى جيدًا، فساعدني أحد الأقارب ووضعني في بيت أغراب وغادر”.

لم يكن وقتها ابنها الطبيب عز الدين لولو يعرف أين أمه، فقط ما وصله أن بيت جده قُصف والعائلة بأكملها استشهدت، ولم يستطع الوصول أو معرفة من على قيد الحياة في ظل انقطاع الاتصال والإنترنت آنذاك. فقط ما وصله أنها مصابة، وبعد شهرٍ من المجزرة التقيا. “كان اللقاء صعبًا جدًا، ووجهي ممزّع ومحروق، كنت بهديك الفترة بس بصلي ومش قادرة أسجد، بس بدعي: يا رب خليلي اللي ضل وأعرف أوصله”.

ذكريات ما قبل المجزرة

IMG-20260601-WA0090.jpg

كان ابني حذيفة يقول لي: “نريد أن نبقى بجانب بعضنا حتى لا نتفارق أبدًا”، ويرسل الرسائل على هاتف والدته التي تبثّتها وتبشرها بالجنة، لكنها لم تكن تصل لهاتفها جراء ضعف شبكة الاتصالات، فوصلت بعد استشهاده. تقول: “قبل استهدافنا جاءت لي زوجته رنا تسألني عن الغرفة الآمنة في البيت، فقلت لها: هذه الغرفة التي نحن بها، هي كالقبر أصلًا، وكأن القدر أنطقني، هي بالفعل صارت قبرًا لهم”.

تكمل: “جاءني أخي يسألني: ما رأيك أن نذهب للجنوب؟ استخرت، وحين سألني ما رأيك قلت له وكأن أحدًا همس في أذني: صبرًا أهل غزة إن موعدكم الجنة، وكانت تلك آخر كلماتي مع شقيقي، الذي أجابني: خلص مش طالعين، ثم صليت الفجر رفقة زوجي وكنت أُسمّعه سورة الشورى ليحدث الاستهداف وأغيب عن الوعي”.

بدأت التعافي من جروحها الجسدية، وبعدها أكملت حفظ كتاب الله لتتمّه في رمضان 2024، وبعدها أنهت السند في 2025. تقول: “بالقرآن نجوت وهدأ قلبي، كثيرة هي المواقف التي آلمتني، أبرزها وجودهم حتى اللحظة تحت الأنقاض، ومن كان يخرج من عائلتي من الطوابق العلوية لم يُعرف من هو، تُدفن الجثث فحسب دون مراسم أو فحوص تؤكد هوية الشهيد. ومن المواقف التي تؤثر بي وتبكيني حفيدتي التي سجلتها بالروضة قبل الحرب مباشرة، لتأتيني شهادة وفاتها بدلًا من شهادة الروضة”.


اقرأ أيضًأ: يتيمة قبل الميلاد: حكاية الوداع الأخير


كانت هنادي سكيك ترى رؤى في المنام تؤهلها للصبر على الابتلاء، لكنها لم تكن تعلم تفاصيله. تكمل: “قبل الحرب بستة شهور، رأيت رؤية في المنام أنني أسمع سورة هود، وتحديدًا آية: “وأقم الصلاة طرفي النهار وذلك ذكرى للذاكرين”، لأسمع صوتًا يهمس بجانبي يردد آية: “واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين”، فقلت: من أنت؟ قال: “رسول الله”. توقعت حدوث ابتلاء لكن ليس كهذا”.

وتردف: “وأيضًا رأيت ابني حذيفة في المنام يأخذ شهادة ويُكرّم في مكانٍ كبير، لكني لم أكن سعيدة، فقال لي آنذاك: يمكن لأنه بدك معدل أعلى، فقلت له: لا، أعتقد أنك ستكون شهيدًا، لكن متى وكيف الله يعلم. وبعدها حلمت بزوجي وهو في حواصل، وقيل لي إنه متوفى، لكني وجدته حيًا، وطلب مني شرب اللبن، فكان هذا دليلًا آخر على شهادته وطيب منزلته”.

تختم حديثها: “أنا كسيدة فاقدة ناجية من حرب إبادة جماعية، لم أترك الميدان وبقيت أقاتل بالكتابة، سلّمت لله الأمر كله، وخضت في دروب الحياة، أطبطب على قلوب الفاقدات وأدعمهن نفسيًا في كل الأماكن، وأمام هذا كله ما زلت أرى وجه أبو حذيفة وهو يُقبّل أولادنا بعد كل صلاة، كعادة بقيت معنا منذ زمنٍ طويل”.